الأحد، 30 سبتمبر 2012

"اللاجئون" اليهود وحجر المُوكرَة


                      

      لا توجد أي نتيجة لطرح هذا الموضوع سوى إغلاق المتنفس الاساس لعملية التسوية

تنظم وزارة الخارجية الاسرائيلية حملة دولية للاعتراف بالمهاجرين اليهود، من الدول العربية الى اسرائيل، على انهم لاجئون. لماذا؟ فهل يحق اعتبارهم اصلا لاجئين؟ وهل للتوقيت أهمية ما؟ وما هي الاهداف الحقيقية من وراء ذلك؟

قبل اقل من اسبوع،  وبمبادرة من المندوب الاسرائيلي في الامم المتحدة، دعيت دول العالم أجمع في مقر الامم المتحدة لتستمع الى محاضرة مطولة عما سماهم نائب وزير الخارجية الاسرائيلية، داني ايلون، "باللاجئين" اليهود الذي هاجروا من الدول العربية الى اسرائبل بعد عام 1948. قدم المحاضرة داني ايلون وقد حشاها بالاكاذيب والقصص الخالية على طريقة الرواية الصهيونية المعهودة. ليس غريبا عن هذا الرجل وهو الذي ينكر وجود شعب فلسطيني اصلا، كما ينكر مسؤولية اسرائيل عن تهجير اللاجئين الفلسطينيين ويعطي لقرارات الامم المتحدة الخاصة باللاجئين الفلسطينيين صفة عمومية وكأن القرارات تتحدث عن كل اللاجئين، ويقصد بذلك اليهود طبعا. أيلون لم يطالب الامم المتحدة الاعتراف بالمهاجرين اليهود من الدول العربية، على انهم لاجئون فقط، بل عاب على الامم المتحدة انها لم تقدم لهم المساعدات كما قدمت للفلسطينيين، واتهم الدول العربية بالمسؤولية عن قضية اللاجئين الفلسطينيين واليهود ايضا. فوق هذا وذاك طالب الدول العربية بدفع تعويضات "للاجئين" /المهاجرين اليهود عن أملاكهم التي تركوها هناك وان تقوم الدول العربية باستيعاب اللاجئين الفلسطينيين، كما استوعبت اسرائيل "اللاجئين" اليهود، ضمن عملية تبادل التعويضات والسكان. واصر، بوقاحته المعهودة، انه لن يكون سلام ما لم تجد قضية "اللاجئين" اليهود وحقوقهم حلا على طاولة المفاوضات.

 هذا الموضوع لم يكن من اختراع ايلون ولم يأت اليوم صدفة، بل يتم التحضير له منذ سسنوات طويلة على نار هادئة لاختيار الوقت المناسب لطرحه. في الستينات رفض بن غويون وموشيه ديان وزعماء آخرين ان يطرحوا الموضوع على جدول الاعمال الدولي باعتبار ان "الوقت غير مناسب" ومنذ عام 2009طاب نتانياهو من مستشاره عوزي اراد ان يجهز الموضوع في الوقت الذي طلب منه تجهيز ملفات التفاوض مع السلطة الفلسطينية، ولطرحه على الطاولة الدولية في الوقت المناسب، وفي ايار عام 2011 قدم مجلس الامن القومي الى نتانياهو ملفا كاملا في الموضوع، وتم الكشف عن بعض تفاصيله في بداية هذا الشهر من خلال وسائل الاعلام الاسرائيلية، وليس صدفة ان كل ما طالب به ايلون في الاجتماع المذكور في مقر الامم المتحدة، قد جاء في توصيات مجلس الامن القومي.

هنا لا بد ان نتساءل، مع من سيتفاوض ايلون؟ مع الفلسطينيين؟ وما هي مسؤولية الفلسطينيين عن  المهاجرين اليهود من العراق او مصر او من اليمن او المغرب العربي على سبيل الامثلة؟ وبأي صفة يمكن للفلسطيني ان يتحدث في الموضوع؟ والسؤال الثاني، لماذا لم يطرح الموضوع اثناء المفاوضات مع مصر مثلا حيث هاجر منها اكثر من سبعين الف يهودي الى اسرائيل؟ ولماذا لم يطرح الموضوع مع المغرب، صديقة اسرائيل، خاصة وان المغرب بلد عربي احتضن اليهود بعد طردهم من اسبانيا اكثر مما احتضنتهم اوروبا وعاش فيه حتى عام 1948 اكثر من 250 الف يهودي؟ اضافة الى ذلك، هل يمكن اعتبار اليهود الذين هاجروا من الاتحاد السوفييتي ودول اوروبية وامريكية لاجئين ايضا؟ واذا كانت اسرائيل ترى بكل مهاجر اتي اليها لاجئا، فهل يبقى فرق بين تعريف لاجئ وتعريف مهاجر في القانون الدولي؟

واضح لكل من يعرف قراءة الابجدية في السياسة ان القضية المطروحة لا تمت الى الحق والحقيقة بصلة وانما هي، كعادة حكام اسرائيل، افتعال لقضية تحول من خلالها اسرائيل نفسها من مجرم الى ضحية، اسرائيل مظلومة (يا حرام!) وتحتاج لمن ينصفها، والعالم مطالب بذلك. وهي تندرج في توقيتها، عشية انعقاد الاجتماع السنوي للجمعية العمومية، ضمن السياسة الاسرائيلية التي لا تقبل النقد وترفض ان تكون في حالة الدفاع عن النفس، بل تسعى لتكون دائما الطرف المتهِم  (بكسر الهاء)، اما الاهداف المعلنة من هذه الحملة فتتمثل بالاعتراف باليهود الذين هاجروا من الدول العربية الى فلسطين على انهم لاجئون، مساواة اللاجئين الفسطينيين "باللاجئين" اليهود وبالتالي، بحسب اقوال نائب وزير الخارجية داني ايلون، توطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية كما وطّنت اسرائيل "اللاجئين" اليهود، وثالثا تعويض اللاجئين "كل اللاجئين"، اليهود والعرب، من خلال اقامة صندوق دولي لتعويض اللاجئين كما اقترح كلينتون في نهاية فترة حكمه، وهنا يبدو ان الخليج العربي سيكون الممول الاساس لهذا الصندوق والذي تطمح اسرائيل ان تلتهم معظم ميزانيته.  وأخيرا ، وهو الهدف الاهم دون الافصاح عن ذلك، هو وضع اكبر العراقيل امام أي تقدم في عملية التسوية التي يفترض ان تعيد اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم ودفع التعويضات لهم عن الغبن الذي لحق بهم والاملاك التي سلبت منهم. قاذا كانت مسيرة المفاوضات اشبه بالسير في مُوكرَة (مغارة متشعبة الانفاق تعيش بها الثعالب وحيوانات برية اخرى) فان ملف "اللاجئين اليهود" هو الحجر الذي يلقى على باب المُوكَرَة فيسدها ليخنق كل من بداخلها.

يجب ان نعترف ان نجاح اسرائيل في ادراج قضية "اللاجئين" اليهود من الدول العربية على جدول الاعمال الدولي هو انجاز لحكومة اسرائيل، وهو تحد للدول العربية وحكامها. لقد اقامت اسرائيل منذ حوالي عشرين سنة هيئة خاصة لتوثيق الرواية اليهودية. نحن نعلم عن قرب، ونحن شهود احياء، لكيفية توثيق الروايات الخيالية على انها حقائق، وهي ستتحول الى حقائق فعلا اذا ما بقي العرب على ما هم عليه. لقد دُقّ هذا الجرس من عشرين عاما تقريبا، فهل قامت أي دولة عربية بتوثيق روايتها وكيف قامت العصابات اليهودية التي عملت في العراق واليمن وسوريا والمغرب وووو لحث اليهود على الهجرة من بلادهم ليحتلوا مكان اللاجئ الفلسطيني؟ ام انهم ينتظرون عقدا اضافيا من الزمن فيكون الشهود العرب على الاحداث قد ماتوا ولم يتركوا أي تسجيل فتصبح الرواية الاسرائيلية الخيالية رواية وحيدة فتتحول حينذاك الى حقيقة؟

من ناحيتنا كفلسطينيين لا يجوز لنا المساومة او البحث او مجرد الربط بين قضيتين مختلفتين، ولا يوجد أي سبب يجعلنا نقبل بذلك، ولا توجد أي مرجعية قانونية تجبرنا على ذلك، ولن نمانع ان يعود اليهود الى الدول العربية او الاوروبية او الامريكية، التي أتوا منها، ولكن هل تضمن الدول العربية الا تضطر لمناقشة الموضوع مع اسرائيل، وان كان بدون ربط مع قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم المشروع في العودة الى ديارهم والتعويض عن عذاباتهم؟ وكم سيكلفها ذلك ان اضطرت الى قبول الرواية الاسرائيلية؟

 

اليف صباغ

باحث ومحلل سياسي
مدونة حيفا برس
26.9.2012







حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

الاثنين، 24 سبتمبر 2012

اولمرت يتحفز للعودة الى رئاسة الحكومة


                     نتانياهو قد يقدم موعد الانتخابات لمنع اولمرت من المنافسة على رئاسة الحكومة

اليوم فرضت المحكمة المركزية في القدس العقاب المنتظر على رئيس حكومة اسرائيل الاسبق اهود اولمرت، بالسجن لمدة سنة ، مع وقف التنفيد لمدة ثلاث سنوات، بالاضافة الى غرامة بمبلغ 75300 شاقلا تجسيدا للحكم عليه بتهمة "خيانة الامانة". وكانت المحكمة قد قررت قبل اسابيع تبرئة المتهم، اولمرت، من عدة تهم وجهت اليه في اربع قضايا نزلت عليه سويا، قضية شركة السياحة "ريشون تورز" التي ابثقت من قضية طلانسكي، وقضية مركز الاستثمارات، وقضية ا"لمليحي" حيث اتهم بتلقي رشوة، ولكن المحكمة وجدته مذنبا بتهمة واحدة فقط وهي "خيانة الامانة" في قضية مركز الاستثمارات فقط باعتبار انه قدم مساعدة لصديقه اوري ميتسر، الامر الذي يتعارض مع مهامه  كوزير آنذاك. هذا ولم تقبل المحكمة طلب الادعاء العام بالحكم على اولمرت بالشغل لمصلحة الجمهور.  يذكر ان اولمرت ومحاموه  كانوا قد استشرسوا في دفاعهم لكي يتنازل الادعاء العام عن مطلبه بالحاق العار بالمتهم، ونجحوا في ذلك ايضا، مقابل تنازل اولمرت عن امتيازات مادية تحق له  كرئيس حكومة سابق.
اعتبر المراقبون، محامون وسياسيون وقضاة سابقون، ان العقاب الذي فرضته المحكمة على اولمرت خفيف جدا نسبة الى تهمة "خيانة الامانة" خاصة وان المحكمة اشارت في قرارها ان خيانة الامانة لم تكن ناتجة عن "فعل تقني". ولكن المحكمة  عللت تخفيف الحكم الى حقيقة ترك اولمرت منصب رئاسة الحكومة على خلفية  مجمل الاتهامات الخطيرة التي وجهت اليه ومنها تلقي رشوة وخيانة الامانة وغير ذلك، ولم يبق من كل هذه التهم سوى تهمة "خيانة الامانة"، التي لم تكن تستاهل وحدها ترك منصبه ، مما سبب له اضرارا جسيمة، الامر الذي استدعى اخذه بعين الاعتبار. اضافة الى ذلك فان تنازل النيابة العامة  عن اضافة "العار" لقرار الحكم فتح الطريق لاولمرت للعودة الى الحياة السياسية.
بهذا لم تنته القضايا المرفوعة ضد اولمرت، فقضية مشروع "هوليلاند" لم تبت بها المحكمة بعد، ولم يمر على قرار المحكمة الذي صدر اليوم مدة 45 يوما لتقرر النيابة العامة ما اذا كانت ستستانف الحكم الى المحكمة العليا ام لا، ومع ذلك فالدوائر المقربة من اولمت تقول انه متحفز للمنافسة على رئاسة الحكومة بديلا لنتانياهو بالرغم من تصريحاته السابقة بانه لن يعود الى الحياة السياسية، وذلك لعدة اسباب  اهمها انه في نظر المستائين من سياسية نتانياهو يشكل اولمرت البديل الوحيد بين القيادات السياسية في اسرائيل المؤهل لاستبدال نتانياهو في رئاسة الحكومة ، في حين ان تسيبي لفني فشلت في ذلك ، وشيلي يحيموفتش رئيسة حزب العمل لا تملك من العلاقات الدولية ما يؤهلها لرئاسة الحكومة.
في اعقاب قرار المحكمة وتحفز اولمرت للتنافس على رئاسة الحكومة، يتوقع المراقبون ايضا ان يشن اليمين المقرب من بيبي نتانياهو حملة اعلامية ضد اولمرت في وسائل الاعلام المختلفة تحت شعارات اخلاقية وسلوكية وسياسية، اي تخويف المواطن اليهودي من برنامجه السياسي واتفاقياته المبدئية مع الرئيس محمود عباس، كل ذلك بهدف ردعه من التنافس على رئاسة الحكومة، بالمقابل رحب  اعضاء حزب "كاديما" بقرار المحكمة  الذي يسمح لزعيمهم السابق بالعودة الى الحياة السياسية، وهم يرون به قائدا يمكنه اعادة كاديما قوية الى الحلبة السياسية، ومنافسا على رئاسة الحكومة. من جهة أخرى يبدو من الطبيعي الا يرحب حزب العمل بالقرار او بالمقابل انتقاده لحسابات حزبية وانتخابية مفهومة.
يبقى السؤال، كيف يؤثر كل هذا على قرار نتانياهو لتقديم موعد الانتخابات ام لا؟ بدون شك، سيكون قرار نتانياهو  بتقديم موعد الانتخابات متأثرا برغبة اولمرت او مؤيديه للتنافس على رئاسة الحكومة. ولن ينسى نتاياهو واولمرت ان يراقبا استطلاعات الرأي العام في الايام القادمة، وعليه قد يقرر نتانياهو تقديم موعد الانتخابات قبل انتهاء التداول واصدار الحكم في قضية "هولي لاند" لكي يضمن عدم منافسة اولمرت له.


اليف صباغ
مدونة حيفا برس
24.9.12




حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

الخميس، 13 سبتمبر 2012

في العلاقات الاسرائيلية الامريكية



                    الملاذ الأمريكي الأخير

                   خلافات في الموعد والثمن والمضمون.

 

يخطىء من يعتقد ان خطة العدوان الاسرائيلي على إيران قد طُوِيت بصُلحة ما بين اوباما ونتانياهو، لأن الحروب ليس لها اسباب بل لها أهداف تحددها الدولة او الدول التي تخطط لها، وما لم تتحقق هذه الاهداف يبقى مشروع الحرب قائما. فالحروب الاقليمية تشن بهدف خلق نظام اقليمي جديد يتناسب مع ميزان القوى الجديد، أو تثبيت نظام اقليمي يتهاوى، ويعلم كل مراقب للشرق الاوسط ان النظام الإقليمي الذي عملت اسرائيل والولايات المتحدة وحلفاؤهم على ترسيخه على مدى عقدين من الزمن بقي واهنا بفعل محور مقاومة هذا النظام المتمثل في التحالف الايراني السوري مع حزب الله، وحماس الى ما قبل مدة وجيزة،  ويعلم المراقب ايضا ان انحسار قوة الولايات المتحدة دوليا وظهور اقطاب جديدة مثمثلة في روسيا والصين ودول "البريكس"، وأهمية نفط وغاز الشرق الاوسط في تعزيز مكانة القوى الجديدة اوالقوى المسيطرة او تحطيمها، وموقع المحور الايراني السوري اللبناني في انتاج نظام شرق اوسطي للعقود القادمة، لا بد ان يلزم الولايات المتحدة بحسابات دولية واقليمية لا تروق دائما للحسابات الاقليمية لاسرائيل، ومهما بلغت الالتزامات الامريكية لاسرائيل، فإن المصلحة الامريكية المباشرة تبقى هي الموجه الاساس في الحسابات الامريكية. 

ليس صدفة ان تتأزم العلاقات الامريكية الاسرائيلية في هذه الظروف الاقليمية والدولية وعشية الانتخابات الامريكية بالذات. وهنا لا بد من التدقيق في ماهية نقاط الخلاف، ولذلك لا بد من قراءة تفصيلية في النص والمعنى دون إهمال حتى لنبرة الصوت التي يتعمدها نتانياهو وصياغة الموقف "الدبلوماسي" واستخدام المفردات فيه بدقة متناهية.

نعم هناك خلافات اسرائيلية امريكية فيما يخص الملف الايراني، وبمعنى ادق في كيفية التعامل مع المشروع النووي الايراني وضرورة او امكانية القضاء عليه. انه في الحقيقة ملف مركزي في الشرق الاوسط ويشمل تعاملا مع سوريا وحزب الله، ويشكل الحراك الشعبي في الشرق الاوسط على اشكاله، في ايران سابقا  وفي الدول العربية لاحقا، عاملا مهما في الحسابات الامريكية والاسرائيلية على حد سواء، مما يجعل الحسابات لا تقبل المسلمات التي تروج لها وسائل الاعلام بهذا الاتجاه او ذلك، فالترويج للمسلمات هو نوع من تصوير الواقع المرغوب اكثر من الواقع الموجود بهدف تحويل الواقع الافتراضي الى واقع حقيقي، وفي حالة أخرى هو شكل من الاستسلام لما يخطط له الغرب ، فيكون الاستسلام اهم العوامل المساعدة لتحويل الواقع المفترض الى حقيقة. وتممثل الخلافات الاسرائيلية الامريكية في ثلاث نقاط رئيسية: في الهدف لشن العدوان، في المخاطر والثمن، في الموعد، اذن، ما هو المخرج او الملاذ؟

يبدو في وسائل الاعلام وكأن الخلاف الاساس هو في موعد شن الحرب على ايران، قبل النتخابات الامريكية او بعدها، وفي تقديري ان الخلاف الاساس يكمن هو في الهدف، ومرده الى ان الولايات المتحدة تتفق مع اسرائيل في ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي الامر الذي يحتاج الى حصول ايران على يورانيوم مخصب بنسبة 90% وما فوق، تستورده من الخارج او ان تخصبه بنفسها، ولكنهما لا تتفقان على ضروة شن حرب مدمرة جدا وخطيرة جدا على المستوى الاقليمي والدولي بهدف منع من ايران من امتلاك التكنولوجيا النووية للحاجات السلمية، ومنها  تطوير مجالات عديدة من العلوم، دون ان يصل ذلك الى مستوى التسلح النووي، وهذا ما يسمح به العالم والقانون الدولي. يقول نتانياهو: "انا مصرعلى بذل كل جهد لمنع ايران من الاستمرار في مسيرتها للحصول الى سلاح نووي" وهذا يعني انه مصر ان يمنع الصيرورة بدون تعيين أي مرحلة منها، بينما تؤكد امريكا انها تتفق مع اسرائيل لمنع النتيجة، أي السلاح النووي وليس الصيرورة ذاتها، بدون تحديد مراحل محدد في هذه الصيرورة ما قبل انتاج السلاح النووي. هذا الاصرار الاسرائيلي لمنع أي تطور تكنولوجي في الشرق الاوسط قد يهدد يوما ما تفوقها الصناعي التكنولوجي والسياسي هو في صلب السياسة الاستراتيجية لاسرائيل، وهو ما يجعل بيبي نتاياهو غير مرتاح  للحلول الامريكية التي قد تقبل بامتلاك ايران للتكنولوجيا النووية شرط الا تصل بها الى سلاح نووي، وهذا امر يمكن ان تقبل به ايران ايضا لو قبلت به امريكا علنا. وكنت في بداية آذار هذه السنة قد اشرت في مقال خاص الى هذا الاختلاف، وهو ما يزال في تقديري محور الازمة.

 

في الثمن ، ومرده ان الولايات المتحدة تعتقد بأنها ستدفع ثمنا باهضا لهذه الحرب، حتى وان استطاعت ، هي واسرائيل وحلفاؤهما، ان يدمروا غالبية المفاعلات النووية الايرانية، لان الثمن وفق تقدير اوساط امريكية متعددة هو تدمير قواعدها العسكرية وكيانات سياسية حليفة لها في الخليج، وبذلك تكون اسرائيل هي أقل الدول ضررا من هذه الحرب، بل يمكن ان تكون هي الرابح عن حرب دفعت وورطت العالم بها، وتكون امريكا وحليفاتها العربيات اكثر المتضررين من الحرب. ومن هنا حاولت الولايات المتحدة ان تقدم التزاما لايران بعدم المساهمة في العدوان الاسرائيلي عليها مقابل ان تأخذ التزاما من ايران بالا ترد على مواقعها العسكرية والسياسية في الخليج اذا ما شنت اسرائيل عليها حربا، الا ان ايران رفضت ذلك العرض لقناعتها ان اسرائيل لا يمكنها شن حرب على ايران دون مساهمة عسكرية ولوجستية أمريكية، علنية كانت او غير علنية، ولقناعتها ان الخوف الامريكي من دفع الثمن سيجعل الاخيرة تضغط على اسرائيل لمنعها من شن حرب جنونية ومدمرة على منشآتها النووية. اذن، في حسابات الربح والخسارة يفضل اوباما الا يخوض حربا ضد ايران حتى لو اضطر الى السماح بنفوذ نسبي لاقطاب دولية اخرى الى الشرق الاوسط، وفي حسابات الربح والخسارة تفضل اسرائيل شن حرب على ايران وهي اقل الخاسرين مقارنة بامكانية السماح لايران بتطوير تكنولوجيا نووية ولو سلمية، فيقلدها العرب لاحقا وأولهم مصر، لتكف اسرائيل عن كونها الدولة الصناعية العظمى الوحيدة في الشرق الاوسط.

في الموعد ، أي قبل الانتخابات الامريكية او بعدها، ومرده الى عدم ثقة نتانياهو بان اوباما سيفي بوعده غير الرسمي وينفذ الضربة المطلوبة ضد ايران، بعد ان يعود الى البيت الابيض ثانية. ينبع تخوف نتانياهو ايضا من تخوفه ان تكون المرحلة القادمة من حكم اوباما هي مرحلة توازن الرعب في الشرق الاوسط، وهو يعني مرحلة الضغط على اسرائيل لتسوية قضية فلسطين، ومن ادراكه باختلاف الهدف من شن العدوان، ومن هنا يطالب نتانياهو اوباما بموعد او بحدود معينة من صيرورة المشروع النووي الايراني، اذا ما تجاوزتها ايرات تلتزم امريكا بالتحرك العسكري ضدها، وهذه الحدود وفق نتانياهو معناها الا يزيد مستوى تخصيب اليورانيوم الذي تملكه ايران عن 3% وان لا تملك ايران القدرة التكنولوجية على تخصيبه أصلا، بل يأتيها من الخارج، ليكون هذا الخارج هو من يتحكم بالتطور التكنولوجي لايران، وهنا لا بد من التذكير بما كتبه موشيه آرنس غداة انتهاء الحرب العراقية الايرانية عام 1988 في تقييمه للقوة العراقية، وكان آنذاك وزيرا للامن، فقال: "ليس الجيش المدرب والكتائب المقاتلة للجيش العراقي هو ما يخيفنا بل قدرته التكنولوجية واولها ما يملكه من علماء وقدرته على الانتاج الحربي".                                                                                                     

اذن ما هو الملاذ وكيف يحفظ اوباما نفسه من هجوم مرتقب لحلفاء نتانياهو في الكونغرس وفي الحزب الجمهوري عشية الانتخابات الامريكية؟. في حسابات الربح والخسارة يبقى الملاذ الاخير لاوباما هو في تسعير الازمة في سوريا فاذا ما نجحت المليشيات المسلحة، المدعومة من الغرب ودول الخليج وتركيا، في ضرب المحور الايراني السوري اللبناني (حزب الله)، تكون امريكا قد حققت النتيجة المرجوة والهدف المشترك مع اسرائيل. وتكون ايران اصبحت عرضة للضغط الدولي تحت تهديد عسكري اكبر قوة وتأثيرا، واذا ما تم القيام بعملية عسكرية واسعة ضد ايران ستكون أقل خطورة وتكلفة، قد يكون هذا هو الملاذ لاوباما والتيار المعارض لنتانياهو من الاسرائيليين، وقد تسمح امريكا لنتانياهو بشن عدوانه على سوريا بدلا من ايران، اذا ما ضمنت امريكا ان أي عدوان على سوريا لن يجر اليه ايران.

في هذه الظروف المعقدة والحساسة، يجب ان نأخذ بالاعتبار ان سياسة استرضاء اسرائيل التي ينتهجها العرب وامريكا بشكل عام لن تزيدها الا تعجرفا واصرارا على الابتزاز، وهذا اقل ما تجنيه اسرائيل عشية الانتخابات الامريكية، وهو اكثر ما يجيده بيبي نتانياهو ايضا. لقد فشلت سياسة استرضاء هتلر عشية الحرب العالمية الثانية ولم تمنعه من شن الحرب على جيرانه، بل هي، واعني سياسة الاسترضاء، التي اشعرته بالقوة التي لا تقاوم في أوروبا. وإذا قيمنا الخلفية الايديولوجية للسياسة الاسرائيلية ومصادرها الفلسفية والمكانة الخاصة لعناصر القوة في نهجها السياسي، نستطيع ان نفهم حقيقة المواقف الاسرائيلية في ظل المتغيرات السياسية الاقليمية والدولية.

 

اليف صباغ

مدونة حيفا برس

13.9.2012















حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

الخميس، 6 سبتمبر 2012

لا تندهييييي ما في حداااا...

                         "لا تندهييييييي ما في حدااااااا "........

في ظل اجتماع وزراء الخارجية لدول الجامعة العربية بالأمس واليوم، تجري أمور كثيرة في هذا العالم الصغير، ولكن ما يهمنا اكثر هو ما يخصنا من كل ما يجري وهو كثير، فهل يخصنا ويهمنا فعلا، بمعني ان يثير همّتنا؟ أم انه يمر من الباب الخلفي الى الباب الخلفي الخاص بالهروب، فلا من شاف ولا من سمع ولا من علم؟
في هذه الايام بالذات تنظم وزارة الخارجية الاسرائيلية حملة دولية للاعتراف بالمهاجرين اليهود من الدول العربية الى اسرائيل على انهم لاجئون. فما هي الاهداف من وراء ذلك؟ وهل للتوقيت اهمية ما؟  نعم الاهداف واضحة ويصرح بها منظموا الحملة وعلى راسهم نائب وزير الخارجية والمندوب الاسرائيلي السابق في الامم المتحدة داني ايلون، وأول هذه الاهداف هو الاعتراف الدولي باليهود الذين هاجروا من الدول العربية الى فلسطين على انهم لاجئون، ومن ثم مساواة اللاجئين الفسطينيين "باللاجئين" اليهود، بحسب اقوال نائب وزير الخارجية داني ايلون وتوطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية كما وطّنت اسرائيل اللاجئين اليهود، وثالثا تعويض اللاجئين "كل اللاجئين"، اليهود والعرب، من خلال صندوق دولي لتعويض اللاجئين يقام خصيصا لهذا الهدف، وفق اقترح كلينتون في نهاية فترة حكمه. هنا يبدو ان الخليج العربي سيكون الممول الاساس لهذا الصندوق وتطمح اسرائيل ان تتلقى معظم ميزانيته وفق حساباتها التي تعتبر ان اللاجئين اليهود اكثر عدد من اللاجئين الفلسطينيين وان املاكهم اكثر.
 مع انعقاد مجلس وزراء الخارجية، يعلن اوباما إعادة بند خاص الى برنامجه الانتخابي يعترف بموجبه بأن "القدس الموحدة عاصمة أبدية لاسرائيل". وكان اوباما قد الغى هذا البند من برنامجه الانتخابي السابق . اما وزراء الخارجية العرب فلم يسمعوا بالخبر لان ضجيج المعارك في حلب بهدف اسقاط الرئيس الاسد يشغلهم عن حقوق الأمة او الأمتين. فهل هناك رسالة ابلغ من هذه الرسالة الى الملوك والرؤساء العرب ومن يمثلهم في اجتماع وزراء الخارجية في العاهرة؟ وهل هناك استخفاف واحتقار للمجتمعين في القاهرة و"للأمتين"، العربية والاسلامية، اكثر من ذلك؟
وزراء الخارجية العرب يهيلون على الفلسطينيين جبالا من التضامن الكلامي ويهيلون على عصاباتهم المسلحة في سوريا وما حول سوريا جبالا من الاموال والسلاح لاسقاط سوريا في مستنقع العمالة التي يعيشون فيها فالنظام السوري خارج عن الاجماع العربي الساقط ولذلك يجب ان اسقاطه. اما فلسطين وشعبها المسكين فقد انتظروا 64 سنة فما بالهم لا ينتظرون نصف قرن آخر؟. لقد بدل العرب اعداءهم ، وما بدلوا ، بل كشفوا عن عوراتهم .
في ظل اجتماع وزراء الخارجية ايضا، تحولت قضية فلسطين الى موضوع غلاء الاسعار ورواتب الموظفين الذين بلغ عددهم اكثر من 300 الف قسم كبير منهم مهمته الوحيدة هي مراقبة واطفاء أي شرارة لمقاومة الاحتلال الاسرائيلي، هذا ولم تتعد ميزانية السلطة ميزانية مدينة كبيرة في اسرائيل. واخشى ما اخشى ان يسحب الملف الفلسطيني بهدوء وسلاسة عن طاولة التداول السياسي الدولي وبالذات عن طاولة الجمعية العمومية الذي يعقد سنويا في نهاية شهر ايلول، منعا لاحراج امريكا او خشية ان يأخذ مكان الملف السوري ام الايراني الذي يدفع به اسرائيل الى الطاولة.
في ظل انعقاد اجتماع وزراء الخارجية لدول الجامعة العربية، اسرائيل تقصف سيارة مدنية في وسط قطاع غزة وتقتل ثلاثة مواطنين فلسطينيين وتجرح رابعا جروحا بليغة، بحجة انهم "كانوا في طريقهم لاطلاق صواريخ على اسرائيل". سبحان الله كيف يتم اعدام الفلسطيني بدون محاكم وبحجة انه "كان ينوي" او "كان يفكر ب" او "في طريقه الى...." دون اي رادع او خشية من ردود فعل في ظل اجتماع عربي عالي المستوى؟ وفي ظل "ربيع عربي" هائج وتشريع للتسلح والقتل باسم الحرية والكرامة. ام ان حرية الفلسطيني وكرامته قد داستها الاقدام منذ زمن؟ وربما صدق قول الشاعر المتنبي: من يهن يسهل الهوان عليه...ما لجرح بميت ايلام. ؟؟؟ وللتذكير اقول: هل تذكرون اجتماعا واحدا لوزراء الخارجية العرب او اجتماع قمة عربي دون ان تقوم اسرائيل بجريمة ما صغيرة او كبيرة ضد شعبنا؟ هل تذكرون اجتماع قمة لم يقدم العرب لاسرائيل تنازلا علها ترضى بهم خدما؟ لماذا هذا التوقيت بالذات ان لم يكن بهدف تأكيد الاذلال  وتعميم وتعميق شعورهم بالنقص والذل والمهانة والعجز، وهذا اكبر مكسب يمكن ان تؤسس عليه اسرائيل مكاسب سياسية أخرى
يا اختي في غزة، لا تندهي للعرب ، ما في حدا. والللللله ما بقي منهم حدا..... وما لك والله الا الصبر والقتال عملا بقول الشاعر الفلسطيني عبد الرحيم محمود: "فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا".
 
اليف صباغ
6.9.2012

 

الأربعاء، 9 مايو 2012

تطورات "دراماتيكية" في اسرائيل!

 

اليوم لا يستطيع بيبي أن يقول: لا استطيع وعليه ان يعترف، انا لا اريد.


انشغلت وسائل الاعلام يوم أمس بانضمام حزب كاديما برئاسة شاؤول موفاز الى حكومة نتانياهو بعد ان كان رئيس الحكومة قد أعلن الاسبوع الماضي عن نيته الذهاب الى انتخابات مبكرة، وقام بتقديم مشروع قانون لتسريح الكنيست الحالية، ليتسنى تحديد موعد للانتخايات القادمة. بعد ان مر مشروع القانون في القراءة الاولى، من ثلاث قراءات متتالية، بموافقة 109 اعضاء من اصل 120 ومعارضة عضو واحد فقط، ، في منتصف الليل، لوحظت حركة غير عادية تمثلت في تباطؤ اللجنة التي تعد مشروع القانون للقراءة الثانية والثالثة، كما لوحظ غياب رئيس الحكومة نتانياهو ورئيس حزب كديما موفاز وآخرون، لينضم اليهم آخرون من الحزبين لاحقا، فيتبين ان اجتماعا يجري في منتصف الليل، ضمن دقائق التمديد، لمنع تمرير القانون في القراءة الثانية، للوصول الى اتفاق بين الحزبين يفضي الى انضمام كاديما الى حكومة نتانياهو لتصبح 94 عضوا، ويلغى بذلك مشروع قانون تسريح الكنيست فتعود الانتخابات الى موعدها المقرر، أي في اكتوبر 2013. هذا التطور السريع، وبالاتجاه المعاكس، والذي بقي سرا حتى لحظة ما بعد التصويت الاولي على مشروع قانون تسريح الكنيست، دون ان يعلم بذلك الصحافيون او حتى اعضاء الحكومة او المقربين جدا من رئيسي الحزبين، هو ما وُصفَ بالتطورات الدراماتيكية. ولكن السؤال الأهم في نظري، هل مضمون الحدث هو دراماتيكي بقدر شكله؟ وما هي القضايا التي ستعالجها هذه الحكومة الموسعة؟ وهي اوسع حكومة في تاريخ اسرائيل، وهل يستطيع بيبي نتانياهو بعد الآن ان يدعي خوفه من سقوط حكومته في حالة تطلب الامر تنفيذ الاستحقاق الفلسطيني؟

لكي نفهم ما حدث منذ اعلن بيبي نتانياهو تقديم موعد الانتخابات البرلمانية وحتى انضمام كاديما الى الحكومة بشكل دراماتيكي، علينا ان نفهم ما هي الاسباب التي دعت نتانياهو الى الاعلان عن تقديم موعد الانتخابات؟ وهل انضمام كاديما الى حكومته يستجيب لهذه الاسباب؟ وهنا لا بد من التذكير ان أي تقديم لموعد الانتخابات البرلمانية في اسرائيل حصل في الماضي عندما لا تستطيع الحكومة والكنيست الوصول الى اتفاق في السياسة الداخلية وقليلا جدا ما حصل سقوط الحكومة او تسريح الكنيست على محاور السياسة الخارجية.  

للاجابة على الاسئلة المذكورة يجب علينا ملاحظة ثلاثة اسباب دعت بيبي نتانياهو الى تقديم موعد الانتخابات البرلمانية: اولا، انتهاء مفعول "قانون طال" في شهر تموز القادم وضرورة تجديد مفعوله ان استبداله بقانون آخر، وهو القانون الذي يسمح بإعفاء غالبية اليهود المتدينين ،الحرديم، من الخدمة العسكرية والمدنية، والاستمرار بالتعلم في مدارسهم الدينية على حساب الدولة، الامر الذي اثار باقي فئات المجتمع الاسرائيلي طيلة السنوات الماضية، وشكل أحد العناصر الدافعة للحراك الشعبي الشبابي في اسرائيل في الصيف الماضي وهو دافع أساس، وليس وحيدا، لتجدد هذا الحراك قريبا. في تموز كان بيبي نتانياهو سيقف أمام خيارين إما استبدال قانون طال بقانون يرضي الحراك الشعبي العلماني اللبرالي، وهذا سيسقط حكومته بانسحاب اليهود الحرديم منها (شاس 11 ويهدوت هتوراة 5)، او يجدد مفعول القانون لفترة اضافية ويعطي بذلك للحراك الشعبي مادة دسمة للهجوم عليه وعلى حكومته، ولم يكن لأي مطّلع، بما في ذلك نتانياهو، أي شك ان تمديد قانون طال كان سيشعل الشارع اللبرالي وربما يسقط حكومة نتانياهو من الداخل أيضا، ويفقد الليكود قوى لبرالية داخل صفوفه.

ثانيا: في هذه الايام وفي المستقبل القريب تقف حكومة نتانياهو امام استحقاق اقرار ميزانية الدولة لسنتين، الامر الذي يتطلب اعادة توزيعها بما يتلاءم مع مطالب الحراك الشعبي من جهة، ومن جهة أخرى سيعرضها لحملة الابتزاز المعهودة من قبل الاحزاب الدينية في تمويل المدارس الدينية والمساكن للازواج الشابة المتدينة بما يتلاءم مع حاجات الجمهور المتدين اجتماعيا وماديا. فهل كان نتانياهو قادرا على تمرير الميزانية بين هذين الخيارين؟ الجواب :لا . وهذا بطبيعة الحال، سيتطلب الذهاب الى انتخابات جديدة عل موازين قوى جديدة تسمح لحكومة قادمة ان تفعل ذلك. مع علم نتانياهو، وفق استطلاعات الرأي التي أجراها في الشهر الاخير، خصيصا لفحص هذه الاشكاليات، ان الانتخابات القادمة ستزيد الليكود قوة وربما تؤدي الى تحطم المنافس الاكبر وهو حزب كاديما.

ثالثا: الحاجة الى تعديلات جوهرية في طريقة الحكم بما في ذلك طريقة الانتخابات بحيث تفضي، كما هو مأمول، الى مزيد من الاستقرار الحكومي. هذه الحاجة موضوع  تداولته كل الحكومات السابقة، وفي تقديري لم يكن اساسيا لدى بيبي نتانياهو عندما اتخذ قراره بالذهاب الى انتخابات جديدة. ولكنه قد يكون اساسيا لدى كديما وجمهورها عندما قرر موفاز الانضمام ال حكومة نتانياهو بدون وزارات.

بالمقابل، كان هناك تطور هام في حزب كاديما، إذ انتخب الحزب شاؤول موفاز رئيسا له بدلا من تسيبي لفني، ومعلوم ان موفاز كان مؤيدا للانضمام الى حكومة نتانياهو عام 2009على عكس تسيبي لفني التي رفضت الانضمام اليها الا بشروط سياسية تسمح بتطبيق الاتفاق الذي توصلت اليه، وشريكها اولمرت مع ابو مازن، بالاضافة الى شرط عدم الاستجابة لمطالب الحرديم. وكان نتانياهو يعد موفاز دائما انه في حالة وصوله الى رئاسة كاديما سيضمه وحزبه الى الحكومة. من هناك جاء غضب موفاز واتهم نتانياهو بالكاذب حين اعلن عن تقديم موعد الانتخابات بدلا من ضم كاديما الى الحكومة.

في المشهد ذاته، علم موفاز ان الذهاب الى انتخابات جديدة يعني تحطم كاديما في حين انه سيكون مسؤولا عن تحطمها بصفته رئيسا للحزب، وان جزء كبيرا من جمهورها سيعود الى حزب العمل ام الانضمام الى الحزب الجديد ،يش عتيد، برئاسة يئير لبيد، الشاب اللبرالي والعلماني، والذي يمكن ان يكون قائدا للحراك الشعبي المعادي لمطالب المتدينين الحرديم. ولا داعي للتذكير، انه في حالة حصول انتخابات مبكرة، فان غالبية اعضاء الكنيست من كديما سيفقدون مقاعدهم المرفهة ومكانتهم الاجتماعية والسياسية، وان من مصلحتهم البقاء في الكنيست الحالية لمدة سنة ونصف اضافيتين، على أمل ان ينجزوا شيئا ما يبقيهم في الكنيست. ومن هنا جاءت الموافقة على الانضمام للحكومة دون شروط باستلام مناصب وزارية او وظائف كبرى، وانما بشرط واحد اساس وهو انجاز قانون بديل لقانون طال، بالاضافة الى العمل على تعديل طريقة الحكم الامر الذي يشكل بندا اساسيا وهاما في برنامج كاديما، وهو يصب في مجمل الصراع بين اللبراليين والمتدينين الحرديم في اسرائيل.

علم موفاز ايضا، أو قدّر، ان الذهاب الى انتخابات جديدة قبل استبدال قانون طال يعني إما تمديد مفعول القانون اوتوماتيكيا بعد انتهاء مفعوله، واما تمديده فعلا بعد الانتخابات نتيجة حاجة نتانياهو الى الاحزاب المتدينة-الحرديم- في حكومته الجديدة، خاصة وان كاديما لن يكون لها التأثير الموجود حاليا (اكبر حزب ب 28 نائبا) لمنع ذلك في الكنيست القادمة. بمعنى آخر ان الكنيست القادمة لن يكون باستطاعتها استبدال القانون ولا تعديل طريقة الحكم، ومن هنا جاء موقف موفاز غاضبا حين قال في الاسبوع الماضي: لتكن انتخابات مبكرة ولكن بعد استبدال قانون طال.

إذن، استبدال قانون طال، اقرار الميزانية بدون ابتزاز، تعديل طريقة الحكم والمصالح الحزبية والشخصية لأعضاء الكنيست ورؤساء الاحزاب، هي بمجملها الاسباب والظروف الاساسية التي يمكن بموجبها ان نفهم "التطورات الدراماتيكية" التي حصلت في حكومة اسرائيل والكنيست في اليومين الاخيرين، قد يكون هذا السبب حاسما لدى هذا الطرف او الشخص وذلك السبب هو الحاسم لدى طرف او شخص آخر، ولكنه ليس سببا واحدا وانما مجمل الاسباب هي المحرك لهذه التطورات، وكل الاسباب الاخرى يمكن ان تكون اضافية وهامشية، وسيبين لنا المستقبل القريب صحة التقدير.

يبقى السؤال الذي يشغل بال المهتمين بعملية التسوية في الشرق الاوسط واحتمال الحرب الاسرائيلية على ايران، كيف ستؤثر ترطيبة الحكومة الجديدة على هاتين المسألتين؟ انا لا ارى جديدا في موقف الحكومة الاسرائيلية الجديدة، وان اصبحت اكثر عسكرية مما كانت عليه اذا انضم اليها قائد اركان سابق، موفاز، ورئيس شاباك سابق، ديختر وآخرون، ويخطئ من يعلق أمالا على كديما داخل الحكومة. الشأن الداخلي الاسرائيلي هو ما يهم كاديما وليس الاستحقاق السياسي.

في ظل هذه الحكومة الواسعة برئاسة بيبي نتانياهو يمكن ان يضع العالم رئيسها امام استحقاق تاريخي طالما ماطل في الاستجابة اليه بحجة ان لا يستطيع تمرير القرار المطلوب في الحكومة المدعومة من قوى اليمين الفاشي، وان أي استجابة للاستحقاق الفلسطيني وان كان وفقا للقانون الدولي والاتفاقات الموقعة سيسقط حكومته؟، الآن وفي ظل حكومة واسعة جدا، لا يمكن لبيبي نتانياهو ان يقول: لا استطيع، بل عليه ان يقول الحقيقة للعالم: لا اريد. باستطاعة حكومة نتانياهو الآن ان تستجيب للمطالب الدولية والاستحقاق الفلسطيني، حتى وان انسحبت كل قوى اليمين من حكومته، بل يمكن ان يحظى بدعم المعارضة ايضا لخطوة باتجاة تنفيذ قرارات الشرعية الدولية. لا يستطيع اليوم ان يقول: لا استطيع. فهل تعمل  القيادة الفلسطينية على ذلك؟



اليف صباغ- مدونة حيفا برس- 9 ايار 2012






حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

الخميس، 3 مايو 2012

أهو إفتاء أم إعفاء ؟



                                        

في نيسان من العام الماضي أفتى الشيخ السعودي محمد العريفي بجواز حج المسلمين الى القدس والصلاة في الحرم القدسي الشريف حتى لو كان ذلك في ظل الاحتلال الاسرائيلي، يومذاك هللت إسرائيل للخبر وصمتت السلطة الفلسطينية، ولكن مجمل التعليقات العربية كانت تدين هذا الافتاء. عاد الموضوع الى وسائل الاعلام مرة اخرى عشية وغداة مؤتمر الدوحة لنصرة القدس هذه السنة بمبادرة من الرئيس الفلسطيني ووزير الأوقاف، يطالبون السماح للمسلمين او حتى تشجيعهم للحجيج الى الاقصى حتى وان كان تحت حراب الاحتلال، مشددين على ان ذلك يعزز من صمود الفلسطينيين في القدس،  بالمقابل عارض  القرضاوي ذلك المطلب منسجما مع فتوته السابقة. لكن ما يلفت النظر هذه المرة ان المبادرة جاءت فلسطينية، وليس من الشيخ السعودي، وكأن المبادرة تبحث عن شرعية سياسية. وخلافا للعام الماضي ايضا، التزمت اسرائيل الصمت،  فهل ترحب؟ وتعد ذلك مكسبا سياسيا؟ ام تخشى من فتح الابواب امام المسلمين ولا تقوى على اغلاقه فيما بعد؟ 

بغض النظر عن موقف اسرائيل، دعونا نفهم علامَ يختلف الفقهاء او السياسيون؟ ان كان السؤال فقهيا، فليجني القرضاوي كيف يجوز للمسلمين هنا ان يقبلوا بالحكم الاسرائيلي ويصبحون اعضاء في البرلمان الصهيوني دون ان يصدر فتوى تحرم ذلك؟ وكيف يجوز للمسلمين هنا ان يحملوا جواز سفر اسرائيلي؟ وان كان السؤال سياسيا فليجبني الرئيس عباس، كيف يسمح للاسرائيلي المحتل ان يزور بلاد المسلمين بحرية وهو ما يزال يحتل الأقصى؟ وما هي المصلحة الفلسطينية في إعفاء العالمين العربي والاسلامي من مسؤولية تحرير المقدسات الاسلامية والمسيحية والقبول بالحجيج اليها وهي تحت حراب الاحتلال؟ واذا كانت لدى البعض طموحات بإقامة مشاريع إسكان أو ما يشبهها في القدس، فهل يعتقد انه قادر على تنفيذها من دون اذن المحتل الاسرائيلي وبما يتلاءم مع مصالحه؟ الم تكف تجربة 45 سنة للوصول الى الاستنتاج المطلوب؟

مرة أخرى، بغض النظر عن مواقف الاطراف او صمتهم، اعتقد ان القيام بالحجيج المذكور تحت حراب الاحتلال، فيه ترويض وتدجين للنفس، لمن رفض ويرفض قبول الاحتلال كأمر واقع، وهو إعفاء للمسؤولين عن تحرير المقدسات من القيام بواجباتهم، ولذلك فهو يصب في مصلحة اسرائيل السياسية. ان مؤتمر الدوحة لنصرة القدس للعام 2012 لم يخرج بأي قرار او نداء يدعو الى تحرير القدس، كما يفترض منه في ظل ما يسمى ب"الربيع العربي" (؟)، وكأن الحد الاقصى لقدرات العرب هو التوجه الى الامم المتحدة لإرسال بعثة الى القدس لتقصي الحقائق، وهل الحقائق مخفية وتحتاج الى تقص؟! أو ان قدرتهم لا تتعدى تعزيز صمود أهل القدس بأموال الحجاج في ظل الاحتلال، وهذا المال ومشاريع تعزيز الصمود هو في الحقيقة تكرار لكل الاقتراحات والمشاريع السابقة التي لم تنجح بالحفاظ بيت واحد احتله المستوطنون او الحفاظ على "بيت الشرق" مفتوحا. لا ابالغ ان قلت ان مخصصات التأمين الوطني وتأمينات الصحة التي يتلقاها الفلسطينيون في القدس العربية من صناديق خدمات اسرائيلية، عززت من صمود اهالي القدس اكثر من أي اموال او مشاريع عربية او اسلامية.

 مثل هذا الافتاء ومثل تلك الاقتراحات والمشاريع، السابقة والحاضرة، الصادرة عن مؤتمرات عربية واسلامية وآخرها مؤتمر الدوحة، انما تعبر في حقيقتها عن عجز متراكم ومتوارث وتحلل من أي مبادرة او جهد حقيقي لتحرير القدس، وكأن هذا العجز امام اسرائيل هو قدر إلهي لا يجوز الاعتراض عليه.  مثل هذا النقاش العبثي انما يعبر بشكل واضح عن عبثية الجمع بين السياسة والفقه في الحياة المعاصرة، وعن قيادات عاجزة الا عن الطعن الغادر في ظهور الاشقاء، فهل "اتكأ العاجز على خائب الرجاء" وكفى الله المسلمين شر القتال؟



اليف صباغ

مدونة حيفا برس

7.3.2012






حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

الخميس، 19 أبريل 2012

صناعة الدكتاتور



تفتقر بلادنا العربية الى الصناعات الحديثة مقارنة بالغرب، هذا واقع لا نقاش فيه، وان لم يعجبنا، بالمقابل فهي غنية بصناعات تقليدية، ولو انها تشهد ضمورا ايضا، الا ان صناعة واحدة ما تزال قادرة ان تكرر نفسها بقوة دون ضمور، وهي صناعة الدكتاتور. انها صناعة "وطنية" بشعاراتها، وهي شعبية من الدرجة الاولى لأن غالبية الشعب مشارك في عملية انتاجها وهو المستهلك الاكبر لما ينتجه، وهي تقليدية ايضا من الدرجة ما قبل الاولى، لأن كل هذه العولمة ومنها تقارب الشعوب وتبادل المعلومات والخبرة ، لم تستطع تغيير اسس هذه الصناعة العربية بامتياز. وليفرح اصدقاء امريكا هذه المرة لانني أبرئ الاستعمار من تهمة صناعة الدكتاتور العربي، لا تعبيرا عن حقيقة موضوعية، بل امعانا في النظر الى الذات قبل توجيه اصبع الاتهام الى الآخرين.

لماذا اقول هذا؟ وعلى أي حقائق او معلومات أعتمد؟  للاجابة على هذا السؤال، لا بد اولا من الاجابة على أسئلة أخرى: هل حكامنا العرب  دكتاتوريون؟  نعم. وهل جميعهم عملاء للاستعمار؟ لا. ولماذا لم نستطع تغييرهم، عملاء وغير عملاء، على مدى عقود طويلة وما نزال عاجزين؟ هل الوزراء والنواب ورؤساء الاحزاب ورؤساء البلديات المدينية والقروية، والمحافظين ورؤساء النواحي والقطاعات المختلفة في البلدان العربية المختلفة والموظفين الكبار او الصغار، واصحاب الشركات و.. و.. و ... دكتاتوريون في مواقعهم؟ نعم. هل نحن ديموقراطيون حتى في اسرنا الصغيرة؟ لا. أليس القمع والعنف ظاهرة متدحرجة من أعلى الى أسفل وهي نهج حياتنا في كل المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية؟ الا نلاحظ هذا النهج في تدحرجه اللانهائي؟  اليس هذا حالنا؟

 فجأة، نرى الحاكم العربي قويا حازما آمرا ناهيا قاضيا معاقبا وكأنه أُنزِل من فوق، وفي لحظة أخرى نراه نعجة او ناقة مطيعة يقودها أصغر موظف في الادارة الأمريكية، ولكنه لا يتورع ان يسمي طاعته حكمة، وهي حكمة العاجزين طبعا. هذا السلوك المتناقض ينطبق على الجميع في كل المستويات حتى يصل الى الاسرة الصغيرة، طبقا للمثل الخليجي القائل: "والدي ما يقدر الا على أمي". ليس الحاكم فقط، وليس الوزير او الموظف الكبير فقط، بل ترى الرجل العادي الذي قضى نهاره ذليلا لرئيسه في العمل مهانا مسلوب الارادة والكرامة، يقضي يومه بالنفاق والاعتذار والاستئذان ومسح الجوخ او حتى مسح الاحذية، يعود الى بيته مساء فيتحول الى وحش كاسر ينهش كرامة زوجته او ابنائه وبناته باسم رجولته وكرامته، فكيف يستحضرها على وجه السرعة؟ وأين غابت هذه الرجولة وتلك الكرامة طيلة النهار يا ترى؟ ولماذا تغيب دائما مقابل من هو اقوى منه؟ واذا افترضنا ان للاستعمار دور كبير في صناعة الحاكم الدكتاتور وحمايته، وهو كذلك وليغضب اصدقاء الاستعمار، فهل يتدخل الاستعمار في انتخاب رئيس بلدية او تعيين مدير شركة او في سلوك الزوج تجاه ابناء أسرته؟ وهل يتدخل الاستعمار ايضا في تشكيل لجنة شعبية تؤطر ناشطين مختلفي الانتماءات ضد التدخل الاستعماري في بلادنا؟ ام ان هناك مشكلة ذاتية وتراث او موروث اجتماعي مريض يجب معالجته؟ هنا يجب ان نتوقف!! ونتوقف كثيرا!!  وننظر الى المرآة بشجاعة لنغير، اليس تغيير النفوس سابق لتغيير الواقع؟

ان ما يقلق حقا هو ما يعشعش في النفوس ويظهر في السلوك، هو الحاجة  النفسية الخفية او الطموح لإلغاء الآخر او اقصائه، والرغبة غير المبررة في شخصنة المواضيع والمشاريع والأهداف، وعدم القدرة على رؤية  الهدف المشترك والاتفاق حوله واستبعاد الاهداف المختلف عليها. فترانا نتفق على ما لا نريد، ولكن، هل نتفق على ما نعم نريد؟ قد نجد فريقا يعمل سويا فنحسب ان ما يجمع هؤلاء المختلفين هو هدف مشترك او مشروع عمل مشترك، وفجأة تجدهم متحدين ومتفقين على ما يردون الغاءه، لا على ما يريدون بناءه، متفقين على الهدم دون ان يكون لهم أي مشروع بناء مشترك. وحين يختلف الفرقاء اوالافراد ينسوا ان الاتفاق على هدم ما هو قائم لا يكفي للحفاظ على الوحدة المطلوبة دون وجود مشروع بناء مشترك أيضا، وينسوا ان اختلاف الناس بمواقفهم وسلوكياتهم هو الامر الطبيعي، وان لا طبيعة من غير اختلاف وتعددية، وان التعددية في الاطار الواحد لا تزيده الا غنى وان الاختلاف بين الاشخاص لا يمنعهم من الاتفاق على الموضوع، فلماذا يتغلب الشخصي على الموضوعي في مجتمعاتنا؟

يلاحظ كل مراقب موضوعي ان هذه النفسية الالغائية لا بد ان تقود الى صراع عبثي، الذي يتحول بسرعة الى صراع شخصي، وفجأة تتحول الأنا المقهورة الذليلة والمهانة أمام الاقوياء الى انا متكبرة متعجرفة قمعية تجاه الشركاء الضعفاء، ويتكرر الامر في دائرة لا نهائية، ويبدو من الصعب ان تجمع بين الفرقاء، الاشخاص، لتحقيق الهدف المشترك، وهنا تبرز الحاجة الى القيادة، قيادة الجميع، على اختلافهم، لتحقيق هدف مشترك، ويبدو الامر اكثر صعوبة وتعقيدا اذا ما تقدم الى هذه المهمة شخص عقلاني لا ينوي إقصاء أحد، فيبدو في نظر الفرقاء ضعيفا لأنه لا يلبي طموحات أي منهم،  وتكون النتيجة ان يتقدم بدلا منه الشخص "القوي"، وقد يكون خارج كل الفرقاء، ليضبط الامور المنفلتة وينهي حالة الصراع العبثي، وبدل ان يعطي لكل صاحب حق حقه ومكانه الذي يستحق، تكون النتيجة ان يلغي او يقصي هذا "القوي" جميع الفرقاء والافراد المختلفين، ويكون هو صاحب القرار الوحيد والآمر الوحيد، وقد يكون هذا "القوي" هبط على جميع المختلفين من فوق بقوة من هو اقوى منه. أما الغريب العجيب هو قبول جميع الفرقاء بحكم هذا "القوي" حتى لو ادى الى اقصاء الجميع، وسخرية الامر ان يرى كل فريق نفسه منتصرا بحكم اقصاء خصمه دون الانتباه او الاهتمام بإقصاء ذاته أيضا، ويقول: "من ساواك في الظلم فما ظلم" هل حقا؟ اليست هذه حال أمتنا وحكامنا وأحزابنا ومؤسساتنا...... حتى لجاننا الشعبية التطوعية؟ ويتجسد ذلك في مجتمعاتنا بأبشع صوره حين يسعى الافرقاء الاشقاء، الحلفاء افتراضا، للاستقواء بطرف ثالث، غريب ضد بعضهم البعض، فيكون الاجنبي هو الحاكم اللاكم، الآمر الناهي، القاضي والمعاقب، المحرم والمحلل، الواهب والناهب لخيرات أمتنا.  اليست هذه هي تقاليد حكام بلادنا العربية؟  اليست هذه مأساة مجتمعاتنا بكل المستويات؟ السنا نحن من يصنع هذا الدكتاتور الكبير او الصغير في الدولة او في الحي؟   السنا نحن من يستدعي الأجنبي؟ وهل يتحقق العدل فيما بيننا بممارسة الظلم بالتساوي؟
اقول هذا جازما، لا رغبة في جلد الذات، بل نقدا ذاتيا لا بد منه وان كان معيبا لهذا المجتمع الكبير الذي انتمي اليه. ولكل من يخالفني الرأي ان يفحص محيطه القريب، وعلى كل المستويات، من مستوى الامة العربية، او الوطن، صغيرا كان ام كبيرا، الى مستوى المدينة والقرية وحتى الاحزاب واللجان الشعبية القطرية او المحلية. ألم يحن الوقت بعد ان نستذكر ذلك القول العربي الأصيل: "رأيي صائب ويحتمل الخطأ ورأيك خاطئ ويحتمل الصواب"؟  الم تعلمنا التجربة المريرة بعد، أن نقبل الآخر، الشقيق او الرفيق او الشريك، بما هو عليه من اختلاف، فنعمل سويا بما اتفقنا عليه، ونبقي جانبا ما اختلفنا عليه؟ ألم يحن الوقت لترى ان هناك متسع للجميع على اختلاف آرائهم ومعتقداتهم وتوجهاتهم وأجناسهم وأعمارهم وثقافاتهم  و...و... وحتى مصالحهم؟  ألم نخلق مختلفين؟؟؟ اذن، كيف لا يكون اختلاف الرأي مفهوما ومقبولا؟  لماذا نقبل ان يلغينا ذلك الدكتاتور جميعا، ولا نقبل ان نعطي للآخر، الشقيق او الشريك او الرفيق، متسعا في هذه المساحة المشتركة؟ لماذا يبقى همنا الاكبر هو الغاء الآخر وان كان الثمن هو الغاء الذات؟ بدل الاعتراف بالآخر، الشريك في الهم والهدف والمصير، وبشكل متبادل؟  السنا نحن من نصنع الدكتاتور؟


 



اليف صباغ

مدونة حيفا برس 19.4.2012




حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

الاثنين، 2 أبريل 2012

في ظل "الربيع العربي"........




 او هدية لمؤتمر القمامة...

وربما استقبالا للمبعوث الامريكي الخاص لتجديد المفاوضات العبثية.

نتانياهو يتقدم بدون حسابات لأحد...



هآرتس اليوم 3 نيسان 2012:

1.   بركات (رئيس بلدية القدس) يتقدم في اقامة حي استيطاني جديد بالقرب من ابوديس في قلب المنطقة الفلسطينية.

2.   المحكمة العليا تفتح الطريق لحي استيطاني في الشيخ جراح في القدس الشرقية.

3.   نتانياهو يامر بعدم ازالة الموقع الاستيطاني الجديد في الخليل، بالرغم من صدور الامر العسكري.

4.   اسرائيل مصرة ان تقيم حي استيطاني في حوض فندق شيبرد في القدس الشرقية.

5.   استعداد جيش الاحتلال ل 300 قتيل في حالة هجوم متعدد الوسائل على اسرائيل.

6.   جيش الاحتلال يقيم كتيبة جديدة متخصصة باسقاط الصواريخ المضادة. كما انها تطلق صواريخ حديثة قادرة على اصابة الاهداف بدقة داخل المراكز السكانية.



المعلق السياسي نحاميا شطرسلر يكتب مقالة اليومي تحت عنوان:

"منهجية نتانياهو: خوّف واحكم".

العنوان يكفي لفهم الرسالة ............




حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

الأحد، 1 أبريل 2012

توثيق لممارسة حقوق الانسان على الطريقة السعودية، وكيلة الديموقراطية والحرية الجديدتين. افتح الرابط




حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

"لباس القتل" أم زهر الياسمين؟


              

لم اكتب يوما مقالا في الدفاع عن شخص لشخصه وان كان رئيس دولة او صاحب مكانة أخرى، ولست في وارد الدفاع عن السيدة اسماء الأسد، وهي ليست بحاجة الى دفاعي أصلا، لأن اهل الشام أدرى مني، ولأن ثقافتها المتميزة وسلوكها الشرقي السوري الانيق، المهذب والمتواضع، معلوم لدى السوريين وكل من يبحث عن الحقيقة، ولا يحجبه غربال الاعلام المأجور. لا حاجة ايضا للدفاع عن رئيس عربي يقود سيارته بنفسه ويأكل في مطاعم مدينته ويعشق ياسمينها الابيض، ولكني أجد واجبا اخلاقيا عليّ، تجاه عقلي ونفسي وأولادي وزملائي ووعيي الذي لا ينطفئ، ان افضح وأفند هذا الاعلام المأفون، وربما هذه الابواق المخابراتية التي استخدمت الاعلام مطية سهلة الركوب ومدفوعة الأجر، وأجد نفسي مضطرا ان أنبه بعض من خانتهم عيونهم، او نظاراتهم، من شدة الحرالصجراوي، فلم تبق أمامهم الا صورة السراب المضلل، فأعمى عيونهم عن رؤية الحقيقة.

بعد ان فشلت كل المحاولات الدنيئة، طيلة سنوات مضت، لاغراء وجذب السيدة اسماء الاسد الى أغلفة مجلات الموضه الغربية، ولم يبق من كلام جميل وأوصاف وتحليلات تمدح شخصيتها واناقتها وتواضعها، وتتوجها سيدة في المرتبة الاولى، وبعد ان خذلتهم بكل المستويات، وبعد ان كشرت الضباع الغربية والعربية عن انيابها مستهدفة سوريا ورئيسها، كان لا بد ان ينقلبوا على السيدة اسماء، فيكيلون لها الاتهامات المهينة ، يدعون مرة بأنها حاولت الهرب مع ابنائها الى بريطانيا ففاجأتهم مع ابنائها في ساحة الامويين مع عشرات الالوف من ابناء الشام، ومرة حولوا تواضعها وبُعدها عن وسائل الاعلام الى غياب مقرون بعلامة سؤال كبرى ففاجأتهم بضيافة أمهات الشهداء في عيد الأم، ومرة نسبوا اليها بريدا الكترونيا افتراضيا، معللين ذلك انها تفتح حسابا الكترونيا بأسماء أخرى، وفيه نسبوا اليها ترفا وحبا للتسوق كانوا يشدونها اليه منذ سنين ولكنها كانت في كل مرة تخذلهم.

اليوم دخل المهرجون من خبراء الإعلام والمخابرات وعلم النفس غرفة أخرى من غرف العمليات المفضوحة ، غرفة علم النفس وتحليل الحركات واللباس، وقلبوا الصورة راسا على عقب، كما يحدث عادة في الغرف المظلمة، فكتب الصحفي الاسرائيلي شاحر عطوان(هآرتس 30.3.12) تحت عنوان، "لباس القتل" فيقول: "بدأت علاقة أسماء الاسد الغرامية بوسائل الاعلام العالمية في 2008 في قمة البحر المتوسط في باريس. فبعد سنين من العزلة الدولية ظهر الزوجان الاسد ظهورا نادرا براقا غطى حتى على ظهور الزوجين ساركوزي – باروني. وقد أسر حضورهما قلوب الساسة والصحفيين الذين التقوا معهما. كما أُسر هؤلاء الآخِرون بسحر زوجة الرئيس واسلوب لباسها المهذب وخُلقت أيقونة اسلوب جديد"....ويضيف، "زاد الانشغال بمظهرها الخارجي زخما بين ليلة وضحاها تقريبا، لكن الاسد رفضت التعاون (التأكيد مني)، وحينما سُئلت مثلا هل استغلت الزيارة للعاصمة الفرنسية للشراء ايضا أجابت (وهو يقتبس عن المجلة صاحبة الخبر): "ان باريس تستحق أكثر من مجرد التسوق. ففيها الكثير جدا مما يشاهَد أو يُفعل وأماكن للزيارة". وأضافت قائلة: "ليس للموضة أهمية عليا في نظري. فأنا مثل جميع السوريات أحب ان أكون أنيقة، لكنني أفضل دائما لباسا هادئا ومحتشما ومريحا"." كلام لم تعتاد الاذن الغربية على سماعه او قراءته من سيدة عربية او حتى غربية، في المرتبة الاولى. لقد احتوى هذا المقطع الصغير، من كلام شاحر ومن اقتباساته، من التناقضات ما يشير الى سوء النية  وقصد التحريض ومجاولة تغطية الشمس بكربال (غربال كبير الفتحات)، ففي حين بدأ الصحفي شاحر فقرته بان السيد الاسد "أُغرِمت" بوسائل الاعلام، وهذا ما كانوا يتمنونه في مجلات الموضة والدوائر الغربية المختصة بالسيدات الأول، وقد انهالوا عليها بالمدائح التي تغري كل سيدة في هذا الكون، فقد عاد ،كغيره، وعبر عن خيبة أمله، لأن السيدة الاسد "رفضت التعاون"، بعكس ما فعلت سيدات أخريات ومنهن سيدة البيت الابيض وسيدة الاليزيه. يبدو انهم بالغوا في آمالهم من السيدة الاسد كما بالغوا في تمنياتهم من الرئيس فكان الرد مجلجلا وطافحا بالحقد. هكذا طفح المقال المذكور بالتحريض ومحاولات بائسة لتشويه صورة السيدة أسماء الاسد بتشبيهها بماري انطوانيت، او اعتبارها غطاء لطيفا لنظام دموي، او مراقبة مشيتها وتحليلها، فاصبحت حركتها الرشيقة هي "الحركة الحادة المصممة في الفراغ مع بريق وهاج احمر"، او اعتبار لباسها المهذب والمحتشم والانيق "لباس قتل"، تحليل وتشبيه يخدم الصورة التي يريدونها للنظام بعكس الصورة التي رسموها لذات السيدة، اسماء الاسد، عندما ارادوها لوحة لمجلات الموضة وخيبت آمالهم.

مثل هذه الحملات الاعلامية الرخيصة لا تنطوي على أهل الشام، وهي في الحقيقة لا تعض  اخمص قدمي، بل اخمص كعبي حذاء السيدة المتواضعة والانيقة، السيدة المهذبة، سيدة سوريا وبلاد الشام كلها، فكلما هبت الرياح على الياسمين ازداد هواء الشام عطرا وسيداتها تألقا.



مدونة - حيفا برس

اليف صباغ

الجليل 1.4.12

                                         




حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .