السبت، 25 أكتوبر 2014

الدين والسياسة في اسرائيل وجهان لحالة واحدة



                    الدين والسياسة في اسرائيل وجهان لحالة واحدة                                                                     


                     انتخابات راف راشي سفردي  وآخر اشكنازي لمدينة القدس سينعكس على الحكومة ايضا

تمر الاحداث السياسية والاجتماعية في شريط متواصل سريع، وقد تمر بعض المشاهد الهامة دون ان نلاحظها، ونقف عن اهميتها، فالانشغال بالعمل ومتطلبات الحياة  يفقد الغالبية القدرة على المتابعة، وكان أحد هذه المشاهد هو انتخاب كبير كهنة المدينة، اي "راف راشي"، لمدينة القدس العبرية،  قبل اقل من اسبوع، ولكن الانفلات الهمجي لقوات الاحتلال الاسرائيلي في القدس العربية، واقتحام الحرم القدسي وتصدي الشباب الفلسطيني لهم، لم يمهلنا لنقف امام هذا الحدث.

حصل الانتخاب بعد ان عاشت هذه المدينة ، وهي اهم معقل ديني لليهود في اسرائيل وفي العالم، مدة 11 سنة دون وجود راف راشي يقود الحياة الدينية فيها ويوجهها، مع الأخذ بعين الاعتبار ان مسؤولية هذا الراف تتعدى حدود القدس الغربية الى حدود المستوطنات اليهودية في كل المناطق التي احتلت في حزيران عام 67 وتنعكس على الحياة اليهودية، الدينية والسياسية، في اسرائيل عامة. هذا لا يعني ان كبير الكهنة (راف راشي)  لمدينة القدس أهم من الراف راشي لإسرائيل عامة، ولكنه يعكس، بلا شك، موازين القوى بين التيارات الدينية، كما يعكس الحالة السياسية عامة ويؤثر فيها بالتبادل، وهذه هي احدى الميزات التي تفرض علينا الوقوف عند هذا الحدث الهام.

للتأكيد على اهمية الحدث نذكر ايضا، ان مجلس الكهنة الكبار (الربانيم)، والمكون من 48 شخصا ، لم ينتخب راف راشي واحد للمدينة، بل انتخب اثنين، واحد لليهود السفراديم ( الشرقيين) وآخر للاشكنازيم ( الغربيين) او ما يعرف بالعربية بيهود الخزر، إذ لم تنجح كل المساعي، الطويلة والمضنية خلال السنوات الماضية، للتقريب بين الطرفين الدينيين. مما يشير الى استمرار عمق الخلافات بين المذهبين اليهوديين، ولا يقل عن الخلاف بين السنة والشيعة في الاسلام، عالَمان مختلفان ولا يلتقيان.

لقد تقدم لوظيفة كبير الكهنة الاشكنازي للمدينة ثمانية كهنة أهمهم موشيه حاييم لاو،  والكاهن ارييه شطيرن، وكلاهما من التيار الديني الصهيوني، ففاز شطيرن الذي اقترب من سن السبعين، الامر الذي يتطلب تصريحا خاصا من مجلس الكهنة، في المستقبل، للاستمرار في ممارسة عمله لخمس سنوات اضافية فقط.

 تقدم لمنصب الراف راشي الشرقي 11 كاهنا وكان ابرزهم شموئيل الياهو،  راف مدينة صفد، المعروف بعُنصريّته المفرِطة، وهو صاحب عدة فتاوى دينية عنصرية وأهمها عدم جواز سكن العرب بالقرب من اليهود، اما الثاني فهو موشيه عمار، الذي شغل،  سابقا، منصب راف راشي لليهود الشرقيين في اسرائيل عامة، وهو لا ينتمي للتيار المتزمت (الحردي)، بل للتيار الديني الصهيوني الذي يقوده الوزير نفتالي بينيت، وهو تيار يقدس الاستيطان اليهودي في كل مكان من فلسطين التاريخية، وحتى خارجها حيث تطأ اقدام الجنود الصهاينة.  بالرغم من تدخل المستشار القضائي للحكومة علنا، حتى الليلة الاخيرة، لمنع انتخاب الراف شموئيل الياهو، وبطبيعة الامر لا يمكن ان يتدخل بدون أمر رئيس الحكومة، وتهديده باللجوء الى المحكمة العليا لمنعه من ممارسة مهامه ، في حال انتخاب الياهو،  الا ان الراف الياهو حصل على 18 صوتا من أصل 48، بينما حصل منافسه على 28 صوتا، بما في ذلك اصوات الربانيم الحرديم بتوجيه مباشر من ارييه درعي، وهذا يعني انه لولا التدخل الحكومي والراف درعي بالذات، وقد يكون في ذلك صفقة سياسية لاحقة ايضا، لكانت النتيجة  لصالح الياهو.  الملفت للانتباه ان التصويت في نهاية الامر انحصر بين كاهنين شرقيين متطرفين، وكاهنين غربيين متطرفين ايضا، ومن اكثر التيارات المتطرفة سياسيا في اسرائيل، إذ كان لا بد من الاختيار بين المتطرف الاستيطاني أو الاكثر تطرفا والعنصري جدا، وهل من فرق بينهما؟  نعم، لقد وصل الامر في اسرائيل الى هذا الحد، وقد اشارت وسائل الاعلام العبرية الى مدى تدخل الوزير نفتالي بينت في هذه الانتخابات حتى وصف بعض المعلقين ان النتيجة هي انتصار مستقبلي للوزير بينيت وتياره السياسي- الديني، اي الديني-الصهيوني، وبالتالي انتصار للمستوطنين ايضا.. اليس هذا انعكاسا للحالة السياسية العامة في اسرائيل او تأثرا بها بعد العدوان الاخير على غزة؟

قد يهرب البعض من الاستنتاج المذكور لحصر الخيارات في الحياة الدينية فقط، ولكن المتابع للحياة السياسية واستطلاعات الراي العام المتعددة، التي أجريت بعد العدوان الاخير على غزة ، او ما يسمى بعملية "الجرف الصامد"،  يجد ان المجتمع الاسرائيلي يزداد تطرفا الى اليمين. فالخيارات السياسية للرأي العام في اسرائيل لا تختلف عما هو عليه في المؤسسات الدينية اليهودية، ان غالبية المواطنين في اسرائيل، اي اكثر من 75%، لا يريدون حلا سياسيا ينتهي بإقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة حتى لو كانت على مساحة لا تتعدى 22% من مساحة فلسطين، ورئيس الحكومة بيبي نتانياهو لا ينافسه، او يهدد موقعه، أحد على رئاسة الحكومة، الا من المعسكر اليميني الاكثر تطرفا منه، ولذك نراه يتبنى مواقف نفتالي ينيت في خطاباته فيكشف عن مواقفه الحقيقة من موضوعة  الانسحاب من الضفة الغربية، ويفضحه وزيره موشيه يعالون بقوله ان استراتيجية اسرائيل "لن تنتهي بإقامة دولة فلسطينية مستقلة وانما بحكم ذاتي للسكان دون سيادة على الارض" او الجو، وهذه الاستراتيجية هي بالضبط ما يحاول تنفيذها بيبي نتانياهو دون التصريح عنها، بل يراوغ بفضل قدراته على التضليل وفن ادارة الصراع،  يساعده في ذلك ضعف القيادة الفلسطينية وتردي أدائها، وخيانة الانظمة العربية على حد سواء. من هنا نجد ان الخيارات السياسية في اسرائيل لا تختلف عن الخيارات التي وقفت امام المؤسسات الدينية، فإما انتخاب اليمين المتطرف وإما اليمين الاكثر تطرفا. نعم لقد وصلت الحال  الى هذا الحد في الحياة السياسية ايضا، وعليه ، لن يكون سلام، او لن تقوم الدولة الفلسطينية نتيجة لعملية تفاوض عبثية مستمرة منذ اكثر من عشرين عاما دون أفق، وانما بإجراءات احادية الجانب، مدعومة من مجلس الأمن، وبغير ذلك فلا مكان للحلول السلمية.


اليف صباغ- البقيعة

كاتب ومحلل سياسي ، مختص بالشؤون الاسرائيلية

24.10.14




حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

في التعليق على الانتخابات السكوتلاندية للاستقلال وعلاقة اسرائيل بها...


 في التعليق على الانتخابات السكوتلاندية للاستقلال وعلاقة اسرائيل بها... 

 

       إسرائيل وأسرار الاتحاد البريطاني الطوعي

                                                                                       اليف صباغ- البقيعة

طالما سُئلتُ، لماذا نقول بريطانيا وأحيانا انجلترا؟ فهل من فرق بينهما؟  الجواب بسيط، نعم. بريطانيا او المملكة المتحدة، هي إتحاد "طوعي"، بين انجلترا وايرلندا الشمالية وسكوتلاند بالاضافة الى ويلز. ومَن منا لا يعرف نضال شعب إيرلاندا الشمالية للاستقلال عن المملكة المتحدة؟ حصل هذا الاتحاد/ الزواج عندما كانت الامبراطورية البريطانية أعظم دولة في العالم، فكيف للشعوب ان لا تقبل "طوعا" بالاتحاد مع انجلترا؟ وهل كان باستطاعة اي من هده الشعوب او ترفض الاتحاد "الطوعي" أي الاحتلال الانجليزي؟ ولكن عندما غابت الشمس عن أملاك الامبراطورية بدأ الثلج يذوب وتتكشف الارض على حقيقتها. هذه هي حقيقة الاتحاد الطوعي بين انجلترا وجاراتها، وقد تمكنت انجلترا خلال الفترة الطويلة هذه من تقييد اعضاء الاتحاد البريطاني بقوانين وانظمة اقتصادية وعسكرية وغيرها بحيث اصبحت المطالبة بالاستقلال مغامرة صعبة او تحد للذات لدى كل من شعوب الاتحاد البريطاني قبل ان يكون تحد لانجلترا او للعرش الملكي.

من هنا ارتعدت فرائص انجلترا وحكومة المملكة المتحدة، وحتى العائلة المالكة، رغم رمزية صلاحياتها، عندما اتضح لهم من خلال استطلاعات الراي العام ان الانتخابات السكوتلاندية الخاصة باستمرار علاقة السكويين مع الاتحاد البريطاني او الانفصال عنه ستسفر عن رغبة ساحقة بالاستقلال، فقامت الحكومة البريطانية ممثلة برئيس وزرائها كاميرون وكل القوى الاقتصادية الفاعلة محليا واوروبيا ودوليا بتهديد الشعب السكوتي، باشكال ومجالات مختلفة، بالويلات ما اذا قرروا الاستقلال واقامة دولتهم المستقلة، ومن هذه التهديدات انهيارات في البورصة لبنوك لها فروع كبيرة في اسكوتلاند عشية الانتخابات وترويج الاخبار الاقتصادية ، عبر صحيفة الايكونوميست ، من ان سكوتلاند ستبقى مع 100 مليارد جنية استرليني من الدين العام، او تهديد الاتحاد الاروبي بعدم الاعتراف بالعملة السكوتلاندية الجديدة، او باخراج سكوتلاند المستقلة من مؤسسات الاتحاد الاوروبي الاقتصادية والعلمية الخ. بالمقابل، وبدون ادنى صلاحية دستورية، قام رئيس الوزراء البريطاني كاميرون باغداق الوعود السخية  ومفادها ان حكومة الاتحاد ستقر قوانين جديدة تعطي بموجبها للسكوتيين وحكومتهم المحلية مزيدا من الصلاحيات وعائدات الضرائب وما الى ذلك شرط ان يبقوا داخل الاتحاد البريطاني، اي مقابل التصويت ب "لا" للانفصال والاستقلال. فهل يمكن تفسير الانقلاب في الرأي العام يوم الانتخابات لغير صالح الاستقلاليين، بعيدا عن هذه الوعود والتهديدات على حد سواء؟ وهل تتحقق هذه الوعود الانتخابية فعلا؟ ام أنها رشوة انتخابية تتعارض مع أسس الانتخابات الديموقراطية؟ هذا ما ستثبته الايام والاسابيع القادمة. لقد حذر زعيم الاستقلاليين السكوت من تبعات الخديعة البريطانية، وبالمقابل حذر آخرون من تنفيذ هذه الوعود حتى لا يقوم الايرلنديون والويلزيون في اليوم التالي فيطالبوا بما حصل عليه السكوتيون. وفي الحالتين خسرت انجلترا وحكومة الاتحاد البريطاني ووضعت لنفسها شروط انهيارها المستقبلي.  هنا لا بد من الوقف امام الجهود التي يبذلها الغرب عامة، بقيادة أمريكا، لتفكيك الدول الأخرى بدءً من الاتحاد السوفييتي سابقا مرورا بالسودان والشرق الأوسط عامة، بذريعة حقوق الشعوب بالاستقلال، في حين انهم يبذلون كل الجهود لمنع تفكك اي دولة غربية،  بل يعملون لتوحيد هذه الدول وتكاملها كما فعلت أوروبا. وإذا كان الغرب "يعمل بلغة المصالح" ويبحث عن مصالحه كما يقول عربان امريكا، أفلا يجوز للعرب، واعني الشعوب وليس الحكام،  أيضا ، ان يبحثوا عن مصالحهم؟ 

يذكر انه يعيش في سكوتلاند اليوم اكثر بقليل من 5 مليون سكوتي، بينما يعيش اكثر من 25 مليون سكوتي في ارجاء العالم، فهل للاتحاد "الطوعي" هذا، وغياب سيادة السكوتيين على خيرات بلادهم  ومقدراتها وحاضرهم ومستقبلهم علاقة بهذه الهجرة؟  يذكر ايضا، ان سكوتلاند كانت أكثر مناطق الاتحاد البريطاني غنى بالصناعات التقليدية فتحولت في العقود الأخيرة الى أكثر المناطق غنى بالصناعات التكنولوجية المتطورة، إضافة الى أن غالبية النفط والغاز المنتج في بريطانيا يأتي من مناطق بحر الشمال التابع الى سكوتلند. وتشكل سكوتلاند ثلث مساحة بريطانيا.

ألحَّ علي صديق يتابع ما أكتب، للإجابة على سؤال آخر، ما علاقة اسرائيل بالانتخابات السكوتية؟ ولماذا كل هذا الاهتمام الإعلامي؟  فيبدو من نتائج الانتخابات، وكأنهم تنفسوا الصعداء عندما فشلت محاولة الاستقلال عبر صناديق الاقتراع؟

 لا شك ان الاعلام الاسرائيلي ، بطبيعته الصهيونية العالمية، لا يترك بقعة في العالم دون استقراء اخبارها وخاصة ان كان هناك يهود اثرياء يعيشون فيها، وبريطانيا، وان كان عدد اليهود فيها قليل، الا انها دولة هامة بالنسبة لاسرائيل، كما كانت في الماضي ، وستبقى أيضا في المستقبل المنظور، وأي تغير سياسي فيها لا بد ان يدخل ضمن السؤال الأبدي، ما هي مصلحة اسرائيل او مصلحة اليهود في ذلك؟ وقد عبر عدد من الكتاب قيل الانتخابات من ان قيام دولة جديدة في اوروبا مثل سكوتلاند سيعني انها  قوة جديدة داعمة للفلسطينيين، اضافة الى انها ستفتح الطريق نحو انهيار المملكة المتحدة وهي الداعم التاريخي لإسرائيل والمؤسس لوجودها.

ليس هذا فقط، فطالما رأت اسرائيل بالسياسة البريطانية نموذجا لها مقابل العالم العربي، بمنهجية "فرق تسد"،  والمخادعة والتضليل والمكر والنفوذ المخابراتي واشكاله، مع القسوة والإجرام بحق الشعوب المستضعفة في آن معا.  ولطالما رأت بالنموذج السكوتي وعلاقة التبعية الاقتصادية للشعب السكوتي بالاتحاد البريطاني مثالا يمكن تطبيقه مع الفلسطينيين في الحل النهائي. من هنا كانت الخطوة الاولى التي قامت بها اسرائيل لربط الاقتصاد الفلسطيني بالاسرائيلي ليكون خاما وتابعا له، وذلك من خلال جر الفلسطينيين للتوقيع على بروتوكول باريس الاقتصادي، ملحقا لاتفاق اوسلو ، ليتحول لاحقا الى اتفاق باريس الاقتصادي. هذا الاتفاق الذي يقرر بوجود وحدة اقتصادية بين اسرائيل والدولة الفلسطينية القادمة، وقد قال عنه ابراهام (بايغة) شوحط، وزير المالية الاسرائيلي آنذاك وهو الذي وقع على الاتفاق من الطرف الاسرائيلي: " لقد تمت صياغة البروتوكول والاتفاق وفق المصالح الاسرائيلية، وبهدف منع تكون اقتصاد فلسطيني مستقل، وقبِل به الفلسطينيون لأنهم رأوا به مصالحهم في تلك الظروف". وهو اتفاق ما يزال ساري المفعول ويعاني بموجبه الفلسطينيون اشد المعاناة ولا يختلف اثنان فلسطيني واسرائيلي من انه يعرقل ، بل يمنع،  تطور الاقتصاد الفلسطيني ويصبح الاستقلا حلما منسيا،  وتمنع مجمل الاتفاقيات التفصيلية، التي لحقت به، من امكانية تشكُّل اقتصاد فلسطيني غير تابع لاقتصاد دولة الاحتلال وخادما لها. ليس هذا وحسب، بل تشكل هذه التبعية عاملا اساسيا لهجرة المبادرات الاقتصادية الوطنية ولهجرة العقول العلمية الوطنية كما حدث مع ابناء الشعب السكوتي على مدى العقود والقرون الثلاثة الماضية، او انهم يضطرون الى خدمة المحتل. وهذا ضمان اضافي، من وجه النظر الاسرائيلية، لعدم تغيير الميزان الديموغرافي لصالح الفلسطينيين بين النهر والبحر في اي ظروف مستقبلية.

لقد كانت الانتخابات السكوتية من اجل الاستقلال او البقاء تحت الاحتلال البريطاني طوعا، بمثابة اختبار حقيقي لقوة التبعية الاقتصادية في رسم المستقبل السياسي. فهل تفضل الشعوب استقلالها وسيادتها على مصالحها الاقتصادية ام العكس؟ لقد ثبت للاسرائيليين، وفق نتائج الانتخابات السكوتية، ما كانوا يريدونه وما يطمحون اليه، من ان السلام الاقتصادي الذي نظَّر له بيبي نتانياهو عام 2008 وتبناه طوني بلير ، رئيس وزراء بريطانيا بين 1996-2007 وهو الذي يرعى عملية السلام الاقتصادي، بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية، هو الطريق والمنهج الذي سيوصل الطرفين طوعا الى اتفاقية سلام تضمن التفوق الاسرائيلي الدائم في كل المجالات والخضوع الفلسطيني الطوعي لذلك، هذا الحل، كما يراه الاسرائيليون لن يوصل الفلسطينيين الى دولة مستقلة وذات سيادة،  وفي الوقت ذاته لن يكونوا جزءا مركبا من الدولة "اليهودية" التي يحلم بها نتانياهو. سيكون للفلسطينيين دولة محدودة السيادة على مواطنيها ومنزوعة السيادة على أراضيها، انه الحلم الاسرائيلي. 

مثل هذا التصور يراه الاسرائيليون من بدايتين مختلفتين، بعضهم يقول ان السلام الاقتصادي مع الفلسطينيين سيجلب تطبيعا مع العرب عامة والبعض الاخر يعتقد ان "الحل الاقليمي" الذي يبدأ بالسلام الاقتصادي مع العرب هو الذي سيأتي بالسلام مع الفلسطينيين. مثل هذا التصور، الثاني، يزداد قبولا في الدوائر السياسية في اسرائيل وهو ما يُروّج له اصدقاء اسرائيل الجدد في العالم العربي. فهل تشهد القاهرة في الأيام القادمة محادثات اقليمية ام انها ستشهد صراعا فلسطينيا داخليا وفق الايقاع الذي حددته اسرائيل؟
                       ____________________________   

حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

ماذا بعد خطاب البيبي نتانياهو؟


                                ماذا بعد خطاب البيبي نتانياهو؟


 
انتظرنا خطاب بيبي نتانياهو، رئيس الحكومة الاسرائيلية، في الاجتماع السنوي للجمعية العامة للامم المتحدة، ومن مِنّا لم يتوقع ان يكون خطابه ديماغوغيا وهجوميا؟ ديماغوغيا لأن هذا هو نهج نتانياهو تجاه كل قضية محلية او اقليمية او دولية. سياسية كانت او اقتصادية او حتى حزبية. الديماغوغية هي نهج حياته ولا يمكن ان يتوقع منه أحد، حتى من اقرب الناس اليه، غير ذلك، واكبر إثبات هي استقالات قيادات ليكودية ذات انجازات كبرى، وكان آخرهم وزير الداخلية جدعون ساعر

. وهجوميا، لأن الاسرائيليين عامة ولا استثني أحدا يخشون بل يرتعبون من موقع المتَّهَم ( بفتح الهاء) فيتحولون في كل مناسبة الى موقع المهاجِم او المتَّهِم (بكسر الهاء) والضحية في آن معا، وذلك للهروب من مناقشة مصداقية "حقهم" السياسي او التاريخي في فلسطين، او لمنع نقاشاتهم الداخلية التي قد تفجر تناقضاتهم.

في الحقيقة يحتاج خطاب بيبي نتانياهو الى دراسة موسعة ومفصلة، وكل خطاباته تحتاج الى ذلك، لما تتضمنه من مواقف مبدئية حقيقية مغلفة بأكاذيب وديماغوغيه منقطعة النظير،

يمارسها في حياته السياسية اليومية. وبما اننا لسنا بصدد الدراسة المطلوبة نكتفي ببعض الملاحظات لضرورة الانتباه اليها.

اولا: كان الجزء الأول من خطابه محاولة لتلخيص النقاش الدائر منذ سنوات مع الادارة الامريكية عن امكانية التعاون مع بعض الحركات الإسلامية في الشرق الاوسط لفرض نظام شرق اوسطي جديد، بحيث يقوم هذا النظام، من وجهة النظر الامريكية، على استلام او مشاركة الاسلام السياسي في الحكم في بعض البلدان العربية او غالبتها، وتكون الانظمة الاسلامية الجديدة موالية لامريكا كما كانت الانظمة السابقة، ومتصالحة مع اسرائيل التي تقيم سلاما مع الفلسطينيين، وبالمقابل ترى اسرائيل ان مثل هذه الاستراتيجية غير قابلة للتحقيق وهي تشكل خطرا استراتيجيا على اسرائيل، وفي هذا الخطاب بالذات اصر بيبي نتانياهو ان يذكر الادارة الامريكية بالمواقف الاسرائيلية، مؤكدا او الموقف الاسرائيلي اثبت صحته مشددا على ان

"داعش" هي "حماس" و"حماس" هي "داعش"، ولا تبتعد الاولى والثانية عن ايران وحزب الله ايضا، وكلهم وفق تعبيرنتانياهو "فروع للشجرة نفسها"، شجرة الاسلام السياسي المتطرف. هذا التلخيص جعل بالادارة الامريكية ترد عليه بالقول: "ان حماس ليست داعش". هذا الخلط المقصود بين تجليات الاسلام السياسي والقفز على الفروق والتناقضات فيما بينهم، والذي اصر عليه نتانياهو يجعل امكانية التفاوض مع "حماس"، مهما قدمت من تنازلات، وقد قدمت الكثير في الاونة الاخيرة، امرا مستحليلا.

ثانيا: اصر بيبي نتانياهو في خطابه او يتهم حكومة الوفاق الوطني الفلسطينية بارتكاب جرائم حرب واشار اليها على انها حكومة ابومازن، وبذلك اتهم ابومازن نفسه بالمسؤولية عن تلك "الجرائم"، وفي ذلك قطع الطريق على اي امكانية للعودة الى المفاوضات بين حكومة اسرائيل والسلطة الفلسطينية طالما او حكومة الوفاق الوطني، بمشاركة حماس، قائمة.

ثالثا: الانكى من هذا وذاك، فقد كشف نتانياهو عن السبب الحقيقي الذي منعه من التحدث عن حدود ما بين دولة فلسطين ودولة اسرائيل في ظل اتفاقية سلام دائم، بقوله: "لنحن لسنا محتلين، فهل نحتل ارضنا؟" بهذه الجملة القصير عبر بيبي نتانياهو عن موقفه المبدئي من المطلب الدولي لتقسيم ارض فلسطين بين دولتين. بيبي لا يريد تقسيك الارض، بل يريد سيادة يهودية على كل فلسطين، وهو يفاوض على تقاسم الحكم والصلاحيات بحيث لا يكون للفلسطينيين اي سيادة على الارض. هكذا يرى نتانياهو شكل ومضمون الدولة الفلسطينية.


رابعا: فوق هذا وذاك طرح نتانياهو مسارا جديدا لاحلال السلام في الشرق بحيث لا يبدا بالسلام مع الفلسطينيين واقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة ، كمقدمة لتطبيع العلاقات مع العالم العربي والاسلامي، بل تحدث عن تفاوض اقليمي اولا بحيث يبدا بتطبيع العلاقات مع دول المحور الجديد وينتهي بالتسوية مع الفلسطينيين، وفق تصوره المذكور سابقا.

بهذه النقاط الاربع ينسف بيبي نتانياهو أسس التفاوض وعملية التسوية الجارية منذ اكثر من عشرين سنة. ويقطع رأس عملية التسوية، بالضبط كما تفعل الدواعش بالابرياء، وباسم الله يقطعون الرؤوس وباسم السلام ينحر بيبي نتانياهو عملية السلام ويدفنها. هكذا يؤكد بيبي لمن لم يتاكد بعد عبثية التفاوض وفق المنهجية القائمة منذ ما قبل اوسلو وحتى اليوم، ويؤكد انه ما يزال على نهج اسحاق شامير الذي قال انه "لو بقي في الحكم سيبقى يفاوض الفلسطينيين الى ابد الابدين"

.

من هنا، على القيادة الفلسطينية ان تستخدم خطاب نتانياهو ذاته، لكي تدينه في المحافل الدولية، وتستخدمه بكل تفاصيله لفضح المواقف السياسية الاسرائيلية على حقيقتها، وفضح نهج التفاوض والنوايا الحقيقية لاسرائيل، والتأكيد على عبثية المفاوضات، والحاجة الملحة للعودة الى مجلس الامن وكل المؤسسات الدولية لاستصدار قرارات ملزمة ضد اسرائيل او تحقيق انجازات احادية الجانب على الارض في ظل صراع دموي متوقع مقابل اسرائيل.





اليف صباغ

كاتب ومحلل سياسي

محتص بالشؤون الاسرائيلية.


30.9.14

حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

السبت، 11 أكتوبر 2014

زمن التحديات الكبرى ! اليف صباغ



                    زمن التحديات الكبرى !                                                                   

قال لي أحد الارثوذكسيين العرب: والله مش عارفين من وين نلاقيها؟ من إسرائيل أو من الاردن او السلطة الفلسطينية او من داعش؟ فظُلم مَن أقل وطأة؟ لأننا بتنا لا نبحث عن عدل وإنصاف بل عن ظلم يمكّننا من البقاء على هذه الارض. ألا يكفينا ما لاقاه اجدادنا من استبداد اليونان على طول الحكم العثماني والبريطاني؟ ألم يحن الوقت لتكون لنا سلطة وطنية على مقدساتنا وأوقافنا بعيدا عن أي استعمار او استِحمار؟

لا يخفى على متابع، او مجرد مهتمّ بما يحدث في هذا الشرق، حجم التحديات التي يواجهها كل عربي شريف في مكافحة الظلم والفساد والارهاب، ومَن مِنّا لم يسمع ولم يرَ هذه الفظائع بحق الأبرياء، وبحق المسيحيين العرب بالذات؟ وعليه، فالتحديات التي تقف أمام الجميع أكبر من أي فرد او جماعة صغيرة كانت او كبيرة، وإن لم نفهم جميعا ضرورة التعاضد الفعلي، وليس مجرد الكلامي، فلن يكون لأي شريف في هذا الشرق مكان او زاوية تحميه.
في هذه الظروف التي لا تخفى على أحد في الدنيا، يقف المسيحيون العرب عامة، والأرثوذكس التابعين للبطريركية اليونانية في القدس منهم بالذات، أمام تحديات تواجههم من كل الاتجاهات وبكل المستويات. تاريخيا، واجه الارثوذكس العرب استبداد البطريركية اليونانية المسيطرة على أملاك الكنيسة المقدسية، أُم الكنائس، ومقدراتها منذ 500 سنة بمساعدة الحكم العثماني ومن ثم الانتداب البريطاني، وتبعهم الاحتلال الاسرائيلي الذي لم يترك فرصة لاقتناص حقوق العرب الارثوذكس بالتعاون مع البطريركية اليونانية إلا واستغلها. وقد اثيتنا في دراسة طويلة وموثقة ان هذا التعاون لم يكن بعيدا عن رعاية الاجهزة المخابراتية الدولية أبدا، وقد عملنا على خطى اجدادنا، على مدار العقود الماضية، لفضح هذا التعاون ومضمونه وأهدافه، مستعينين بالوثائق الأصلية قبل المقالات والتقارير الصحفية، ومع ذلك لم ننجح في إيقاف هذا التفريط الذي أصبحت نتائجُه واضحة في تغريب أبناء الطائفة العرب وابتعادهم عن كنيستهم، بانتقالهم الى كنائس أخرى او بالهجرة من الوطن كليا، وتثبت الاحصائيات الرسمية أن ما بقي من المسيحيين الارثوذكس في فلسطين، غربا وشرقا، لا يتعدى 80 ألفا، في حين أن عددهم في بلاد الاغتراب تعدى المليونين باقل تقدير.
بناء على ما تقدم، وفي الظروف الاستثنائية التي نعيشها في السنوات الأخيرة، باتت المهمة الكبرى، والتحدي الأكبر، أمام كل شريف في هذا الشرق، هو كيف نحافظ على ما تبقى من مسيحي الشرق العرب في أوطانهم؟ وهنا لا بد أن يُسألَ كل رجل دين، بغض النظر عن دينه أو مذهبه، وكل شخصية سياسية يدعي العروبية والوطنية والتعايش بين الأديان في الوطن المشترك، ماذا فعلتَ؟ ماذا قدمتَ لكي تحقق هذه المهمة الشريفة؟
 قد يكون هذا السؤال عاما وصحيحا ولكنه ليس السؤال الأصعب. فالسؤال الأكبر والأصعب الذي يكرره كل ارثوذكسي عربي في فلسطين والأردن هو، من اين نلقاها؟ من أي اتجاه نواجه التحديات؟ ناضل أجدادنا ضد الحكم العثماني الذي ناصر الاستعمار اليوناني ضدنا، وناضلوا ضد الانتداب البرطاني الذي دعم مندوبُه السامي سيطرة اليهود الصهاينة على مقدساتنا وأوقافنا، وما نزال نناضل ضد تسريب الأوقاف الارثوذكسية للحركة الصهيونية.  وكنا على أمل دائم ان تكون الأردن، الدولة التي يفترض ان تكون البطريركية اليونانية تحت عباءتها بموجب القانون، حامية لحقوقنا، ولكن هيهات!! وفي لحظة ما طاب لنا ان نحلم بقيام دولة فلسطينية، او حتى سلطة فلسطينية، تكون عونا لنا وضامنا لحقوقنا المسلوبة من قبل المستعمر اليوناني، ولكن للأسف، سرعان ما خاب ظننا، وشهدنا بأم العين تسريبا للأوقاف الى الحركة الصهيونية دون ان تحرك السلطة او الحكومة الأردنية ساكنا، لا بل شهدنا تعاونا إسرائيليا أردنيا فلسطينيا بأوامر المخابرات الامريكية لرعاية بطريرك من صناعة هذه المخابرات، لخدمة المحتل الاسرائيلي. وعندما تقدمنا بالشكوى للسلطات الاردنية والفلسطينية ضد البطريرك الذي خان كل تعهداته المكتوبة لهذه السلطات وخالف القانون الأردني، الذي يُفترض انه ملزم بتنفيذه، سمعنا جوابا يقول: لا نتدخل في "أمور الكنيسة الداخلية" ، عجبا!! مع ان كل ذي عقل يعلم أن هذه المخالفات ليست أمورا "كنسية داخلية"، ولكن حين يأخذ البطريرك قرارا كنسيا داخليا ضد احد الرهبان العرب، بنقله او اخراجه من ديره او حرمانه من القيام بواجباته تجاه رعيته العربية، "تتطوع" أجهزة الأمن الفلسطينية او الاردنية لتنفيذ القرار، ولو بالقوة، دون اي اعتبار لحقيقة كون هذه القرارات هي شأن كنسي داخلي فعلا ، وفق كل المعايير القانونية. ففي رامالله تدخلت قوى الأمن الفلسطينية لطرد الارشمنديت ملاتيوس بصل من الدير تنفيذا لقرارات البطريرك وزبانيته، وفي الاردن "يتطوع" اليوم رئيس الوزراء ووزير داخليته لتنفيذ قرار البطريرك اليوناني بنقل الأب خريستوفورس من دير دبين ومن بين ابناء رعيته، الى دير البطريركية ليكون حبيس الاجراءات القمعية اليونانية والرقابة المخابراتية الاسرائيلية. وليفسر لي رئيس الوزراء او وزير داخليته بأي عمل وطني او عروبي يقومون؟ وليفسر لي اولأبناء الأردن العرب الارثوذكس، ما هي مرجعيته القانونية التي يعمل بموجبها؟ وليُفسّر لأبناء الأردن الشرفاء كيف ينسجم هذا العمل مع تصريحات جلالة الملك بان الأردن كان وسيبقى حام للمسيحيين العرب ويسهر للحفاظ عليهم في وطنهم الأم؟  
هل نعتب على "داعش" ام على اشباههم من المنافقين؟ لا عتب.... لا عتب على احد حين تكون السلطات الحكومية، التي تتغنى "بالعيش المشترك" و"الوطنية" و"العروبية"، لا تتأخر في تنفيذ قرارات المستعمر اليوناني ضد ابناء الوطن المشترك، وتتردد او حتى تتمنّع عن تنفيذ قوانين سنتها الهيئات التشريعية المنتخبة.
نعي جيدا ثقل المسؤولية وحجم التحدي الذي يواجهنا، ونعي جيدا ان اعتمادنا الأساس على إيماننا بصدق قضيتنا وبطريقنا القويم ، اعتمادنا على أنفسنا وعلى كل الشرفاء في هذا الوطن العربي الكبير،ناضل اجدادنا فبقينا في وطننا ونناضل ليبقى اطفالنا في وطنهم، في ظروف مشابهة تحرر اخوتنا في بطريكية انظاكيا عام 1899 من الاستعمار اليوناني ولن يطول الزمان حتى نتحرر نحن ايضا، شاء من شاء وأبى من أبى، أنها حتمية النضال المستديم، فمن اختار ان يكون معنا فأهلا وسهلا به، ومن اختار ان يكون مع المستعمر اليوناني فبِئسَ المصير!


اليف صباغ 
البقيعة 11.10.14
                                   ______________________________ 


حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

الجمعة، 10 أكتوبر 2014

لا بدّ من كشف المستور !


                            لا بدّ من كشف المستور !
                                                                                        اليف صباغ 10.10.14

بالأمس إلتهمت، على وجبة واحدة تقريبا، كتابا هاما وصلني مساء أمس الأول من امريكا وعنوانه: "لمحة تاريخية في اخوية القبر المقدس اليونانية".  يتكون الكتاب من 161 صفحة، ألفه الاسقف العربي السوري، الراهب الثائر رفائيل هواويني (1860-1915)، ولكنه طُبِع ونُشر في بيروت عام 1893 باسم مستعار وهو عبد الأحد الشافي، أي قبل ست سنوات فقط من استقلال البطريركية الانطاكية العربية عن بطريركية اورشليم اليونانية.
استعرض الكاتب في مؤلفه حقبة تاريخية هامة في حياة الكنيسة الارثوذكسية الاورشليمية وانتقالها عام 1534 الى السيطرة اليونانية الكاملة برئاسة البطريرك جرمانوس، من خلال إقامة ما يسمى بأخوية القبر المقدس اليونانية، وهو تنظيم داخلي أعضاؤه من اليونانيين فقط، وابتعدت بذلك الرئاسة اليونانية عن الرعية العربية ومنعت تقدم الرهبان العرب في سلك الكهنوت بل ومنعتهم من الانضمام الى الرهبانية، والملفت للانتباه انها مستمرة بسياستها المعادية للرعية العربية حتى أيامنا هذه. يمكن ان يلاحظ القارئ ايضا، ان الرئاسة اليونانية لم تكن معادية للعرب فقط، بل لكل من هو غير يوناني أيضا، حتى سيطرت بالكامل على مقدرات الكنيسة المادية، وكان هذا هو جُلّ اهتمام اليونان على مدار خمسة قرون وما يزال، ومن ذلك الاهتمام المادي لم يتورع الرهبان اليونان عن بيع "صكوك الغفران"، كما فعلت السلطة الباباوية من قبل، للمؤمنين الذين زاروا الاديرة المقدسة حتى فضحهم بعض الزوار الروس في نهاية القرن التاسع عشر فتراجعوا عن أفعالهم هذه بالعلن واستمروا بممارستها سرًّا .
اعتمد الاسقف رفائيل هواويني، فيما كتب، على ما شاهده بأم عينه وعرفه كشاهد على العصر، كما استعان بمؤلفات عديدة لمؤرخين وباحثين سبقوه، وقد لفت انتباهي ذِكرُه لكتيّب باللغة اليونانية طبع في القسطنطينية عام 1873 وعنوانه "البلاط البطريركي عار اورشاليم"، لمؤلفه اليوناني ن.ي.ث. يتحدث فيه عن السلوكيات الاخلاقية للرهبان والراهبات اليونانيين وهي لا تختلف كثيرا عما نعرفه في أيامنا، ورسائل نُشرت باللغة الروسية ومدونات لشخصيات دينية يونانية وروسية وغيرهم عاشوا في تلك الفترة ودونوا أحداثا شاركوا بها، وأهمها، في نظري، حديث الارشمندريت الروسي بورفيريوس مع الوكيل البطريركي المطران ملاتيوس عام 1844 ، هذه المحادثة، وأسباب حصولها المثير والمعيب للرهبنة اليونانية، ومضمونها، تؤكد ان الرئاسة اليونانية لم تكن يوما دينية او روحانية، بل سيطرة مادية وعنصرية على مقدرات الكنيسة الاورشليمية ومدخولاتها مع استمرار إهمال وإذلال الرعية العربية الى أقصى الحدود.
الانكى من كل ذلك، يشير الاسقف هواويني، كما اشار من سبقوه، الى منهجية اليونان في تقديم الرشاوى الى الموظفين العثمانيين وغيرهم بهدف تجنيدهم ضد أبناء الكنيسة العرب، واتهام بعض الرهبان المؤمنين بالجنون مثل الارشمندريت خريستوفوروس جبارة ومطران زحلة جراسيموس يارد وآخرون، او الاستعانة برجال العسكرالعثمانيين، مقابل مكافئات مادية، لنقل الرهبان من أماكنهم الى المنفى البعيد حيث لا يستطيعون التواصل مع أي من أبناء رعيتهم، مع الإمعان في إهمال حاجات وحقوق أبناء الكنيسة الوطنيين، الأمر الذي جذبهم للانضمام الى الكنائس الغربية، كما هو الحال في أيامنا.     
تكمن أهمية الكتاب في تصوريه واقعا أشبه بما نحن عليه اليوم في العلاقة بين أبناء الكنيسة الارثوذكسية العرب والرئاسة الروحية اليونانية، وتدخُّل القوى السياسية لصالح الرئاسة الروحية ضد الارثوذكس الوطنيين، إما لمصالح سياسية كبرى او مقابل رشاوى مادية تقدمها لهم البطريركية اليونانية. إضافة الى ذلك، استمالة بعض المنافقين المنتفعين من أبناء الكنيسة العرب بهدف دق الاسافين بينهم ومنع اي نهضة ارثوذكسية عربية تستعيد حق ابناء الكنيسة الوطنيين في اديرتهم وكنائسهم ورعاية حياتهم الروحية والوطنية. ولهذا يختتم الراهب الهواويني كتابه بنداء حار الى ابناء وطنه، يناشدهم فيه ان يتوحدوا لاستعادة حقوقهم وحياتهم الروحية الحقة فيقول: " فكيف والحالة هذه لا ينفطر قلب كل ارثوذكسي وطني حقيقي لدى رؤية شراك الهلاك، التي تنصبها لابناء وطنه وكنيسته، اخوية القبر المقدس اليونانية؟ بل كيف لا تهيج في دواخله عوامل الغيرة الوطنية والحمية الارثوذكسية عند نظره اختطاف كنيسة آبائه وأجداده من قِبل ذئب خاطف خبيث، وهيهات أن يُستأمن الذئب الأخبث؟  هذا بعد أن كانت الكنيسة الانطاكية تفتخر فيما مر من عصور بأحبارها الصالحين ورعاتها الفاضلين واكليروسها المزيّن بالعلوم والمعارف مثل القديس الشهيد اغناطيوس المتوشح بالله وافرايم السرياني ويوحنا ذهبي الفم ويوحنا الدمشقي واندراوس اسقف كريت الدمشقي وصفرونيوس بطريرك اورشليم الدمشقي وغيرهم كثيرون".
الملفت للانتباه ايضا، انه بالرغم من حالة الإحباط التي عاشها الاورثوكس العرب في تلك الفترة الا ان ايمانهم بحقهم وبالطريق القويم قادهم الى الاستقلال عن الرئاسة اليونانية المتغطرسة، رغم انف السلطة العثمانية، عام 1899 ( ست سنوات بعد صدور هذا الكتاب)، باقامة بطريركية انطاكيا وسائر المشرق، بعيدة عن الحكم اليوناني المستبد. وما يسترعي الانتباه ايضا ان منهجية  الاستعانة بالسلطات السياسية مقابل رشاوى مادية ما تزال منهجية قائمة، اما سياسة "فرق تسد" واستمالة بعض المنافقين المنتفعين من ابناء الرعية، فيبدو ان الرهبان اليونان هم أول من انتهجها وليس الانجليز، لأن الاستعمار واحد مهما اختلفت جنسياته.
على اية حال فنحن نعرف المنافقين ونعرف المرتشين عندنا ايضا، كبيرهم قبل صغيرهم، وكما كشفنا صفقات العار التي وقعتها البطريركية اليونانية مع الجمعيات والشركات الصهيونية المختلفة، فلا بد ان نمتلك الجرأة لكشف المستور، وهو معلوم لنا، عن صفقات العار التي عقدها ثيوفيلوس مع جهات عربية ايضا، أعلم المخاطر التي قد يتعرض لها بعضنا، ولكننا نمهل فقط ولا نهمل..
                          --------------------------------------------------- 


حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

الاثنين، 2 يونيو 2014

رسالة عاجلة الى غبطة البطريرك الراعي



                            مَن أغواكَ يا غبطة البطريرك؟

كغيرنا من اصحاب الشأن، وعشية زيارتكم الى بلادنا، ناقشنا معنى وتداعيات هذه الزيارة عليكم في لبنان وعلينا كفلسطينيين يقبعون تحت الاحتلال الاسرائيلي، وعلى المسيحيين العرب عامة والفلسطينيين منهم خاصة، وهم يمرون ظروفا معقدة ويقفون في مواجهة تحديات مصيرية تتمثل في مخططات اسرائيلية لتجنيد الشباب المسيحي في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948 في صفوف قوات الاحتلال.

في هذه الظروف بالذات نقوم، مسيحيون ومسلمون ودروز، بجهد كبير جدا لمواجهة هذا المخطط بعد ان سقط في شراكه عشرات الشباب بادعاء الحاجة الى تأمين عمل او الحاجة الى حماية اسرائيلية من شرور ابناء جلدتهم، الأمر الذي يذكرنا بتجنيد المحتل الاسرائيلي لمليشيات لبنانية ساعدته في قمع اللبنانيين وشاركته القتل والتدمير والتعذيب في سجون يخيم فيها الظلم والظلام، واشهرها كما تعلمون هو سجن "الخيام" في جنوب لبنان، كما يذكرنا هذا بالمصير المأساوي الذي واجهه وما زال يواجهه هؤلاء العملاء ممن جندهم الاحتلال لخدمته ضد ابناء شعبهم ووطنهم بادعاء حمايتهم.

حين سُئلت عن موقفي من زيارتكم الى بلادنا استغرب سائلي جوابي الايجابي، المرحِّب بالزيارة، فقلت : ان الزيارة كما تم التصريح عنها لا تعدو كونها زيارة رعوية وواجب يقوم به اب روحي تجاه ابنائه فهذا حق ابنائه عليه وواجبه تجاههم. لم يكن موقفي نابعا من سذاجة ما وانما قلت ذلك بعد ان تابعت تصريحاتكم وتأكدت من مصادر موثوقة، اضافة الى التصريحات المباشرة، ان زيارتكم لن تتضمن أي لقاء مع شخصية سياسية او دينية اسرائيلية، الامر الذي يمكن ان يحسب تطبيعا مع العدو لو حصل لا سمح الله. وأضفت، انني لا اعارض الزيارة باعتبار ان المضمون اهم من الشكل مع عدم انكار العلاقة بينهما، وباعتبار ان التواصل بين ابناء الشعب الواحد، كما التواصل بين الرعية وابيها الروحي يُفتَرض ان يكون هو الامر الطبيعي وليس تطبيعا.

وعليه، يا غبطة البطريرك، قمت بالمشاركة في استقبالكم في قرية برعم المهجرة لاستمع الى ما تقولون بشكل مباشر وليس فقط عبر شاشات التلفزيون، وحين سُئِلت هناك من احدى الصحفيات عن موقفي من الزيارة كررت الموقف نفسه. وماذا عن مقابلة عملاء لحد غدا؟ سألت الصحفية، فأجبت، ان الأهم في الامر ليس المقابلة نفسها بل مضمونها. أي ماذا سيقول لهم غبطة البطريرك، واشرت ان رجال الدين عامة لا يمكنهم ان يتخلوا عن ابنائهم مهما كانت افعالهم، متسامحون، يصلون لاعدائهم، ويحبون مبغضيهم، هكذا هي التعاليم الدينية المسيحية التي يلتزم بها كل رجل دين، فكم بالحري لو كان البطريرك نفسه؟. واشرت الى موقفكم المتكرر عند لقاء رعاياكم في الايام الاخيرة وتوصيتكم لهم "ألا يهاجروا بلادهم مهما كانت الأسباب"... "لان من يترك وطنه انما يخسر ذاته وكل شيء". هكذا قلتم لأهل برعم وإقرث والمنصورة، وتمنيتم ان تحتفلوا معهم قريبا بالعودة الى قراهم التي هجرتهم منها دولة اسرائيل قسرا وهدمت بيوتهم امام اعينهم. كل هذه التصريحات، وخاصة انها تكررت سابقا ولاحقا عند الالتقاء بابناء الرعية في مدنهم وقراهم الفلسطينية، زادتني قناعة بمصداقية موقفي من الزيارة. حتى انني تراجعت عن نيتي تسليمكم رسالة اطالبكم فيها توجيه كلمة الى الشباب المسيحيي في فلسطين بعدم الانحراط في صفوف قوات الاحتلال الاسرائيلي مهما كانت المسميات، خاصة وانكم تعلمون أي حال من البؤس والذل والمهانة يعيشها اولئك الجنوبيون من جنود لحد في اسرائيل، واكتفيت بتصريحاتكم المذكورة ليفهم ابناء رعيتكم الرسالة، ومنعا للإحراج.

بعد انتهاء اسبوع حافل بالزيارات والتصريحات التي اكدت الطابع والمضمون الكنسي لزيارتكم، جاء تصريحكم الاخير مُدوّيا ينسف كل ما صرحتم به من قبل.  فوجئنا من حدة التصريح الذي يبرئ عملاء لحد من الجرائم التي ارتكبوها ضد دولتهم اللبنانية وشعبهم وشعبنا الفلسطيني المشرد في لبنان. فوجئنا من اعتبار مَن تجند في صفوف العدو الاسرائيلي وقتل ابناء قريته وشعبه واعتقلهم وعذبهم وشردهم، ليس مجرما بل برئ حتى انه، وفق تصريحاتكم، افضل من "الآخرين" الموجودين في لبنان. فوجئنا من توقيت هذا التصريحات ونحن على بعد اسبوع واحد من انعقاد المؤتمر الوطني العام ضد الخدمة العسكرية والمدنية بكافة أشكالها، التي تخطط اسرائيل لفرضها على الشباب المسيحي بشكل خاص. فوجئنا ونحن نخشى تداعيات هذا التصريح الخطير على موقف شبابنا من الخدمة في صفوف الجيش الصهيوني . ليس هذا فقط، بل شعرنا بطعنة جنجر مسموم في خاصرتنا. فهل تعطي يا غبطة البطريرك، تبريرات لمن قدموا اقذر الخدمات لجيش الاحتلال؟  وهل يمكن تبرير ذلك؟ وهل يمكن تصنيف اعمالهم الا بالخيانة مهما كانت المبررات؟ وهل تقدم لشبابنا المسيحي هنا تبريرات مسبقة ليخدموا جيش الاحتلال ويشاركوا في قمع شعبهم ودوام تشريده واذلاله؟

لقد تأكد لنا يا غبطة البطريرك ، للمرة الالف، ضرورة ان يهتم رجال الدين في الشؤون الروحية والرعوية دون السياسية . ولا ادري ان كان احدهم قد اشار عليكم بهذا التصريح، بشكل مقصود، ام انكم اصحاب الفكرة والموقف، وفي الحالتين فقد اخطأتم.

ما زال الخنجر يؤلمنا يا غبطة البطريرك، والجرح مفتوح ينتظر منكم رسالة تراجع عن ذلك الموقف المُحزن، رسالة وموقفا لا لبس فيهما ولا تبريرات، علها تخفف الالم وتلأم الجرح المفتوح. اننا ونحن نتجه لعقد المؤتمر الوطني العام ضد كافة اشكال الخدمة في صفوف الاحتلال، العسكرية منها والمدنية، ونحن نبذل كل جهد لنحمي شبابنا المسيحي وغير المسيحي من ملوثات الاحتلال، نطالب غبطتكم برسالة واضحة الى شبابنا المسيحي بشكل خاص، تُنقَل اليهم من خلال المؤتمر المذكور أعلاه، رسالة لا لبس فيها ولا تأويل، لا تبرر أي خدمة في صفوف العدو، ولا تبرئ من خان شعبه وأهله من اجل حفنة مال مهما كانت الاسباب.

كلنا امل ان تكون تصريحاتكم المذكورة مجرد زلة لسان، لا موقفا يعكس قناعاتكم الشخصية او تلبية لنصيحة من هذا وذاك استرضاء لعدو لا يؤمن جانبه.

                                                             باحترام: اليف صباغ.

.البقيعة- الجليل الاعلى

1 حزيران 2014

 

الكاتب هو عضو اللجنة المبادرة واللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني العام ضد الخدمة العسكرية وكافة اشكال التجنيد. الذي سيعقد في مدينة سخنين يوم الجمعة القادم 6 حزيران تحت شعار "أُرفض! لستَ خادما"




حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

الخميس، 22 مايو 2014

مَن يهدد مَن؟


مَن يُهدّد مَن؟

تشتد ، في الاونة الأخيرة، الهجمة الحكومية باذرعها المخابراتية والشرطية والقضائية المفضوحة لقمع حرية التعبير ومنع أي نشاط لمناهضة مخطط تجنيد شبابنا العرب في خدمة الاحتلال، حتى لو كانت هذه المناهضة مجرد كلمة كتبت على صفحات الانترنت، او تظاهرة او فعالية فنية او طلابية او حتى محاضرة في احد النوادي التابعة لهيئة حكومية او ما شابه،
ويتمثل الارهاب الحكومي الرسمي، وغير الرسمي، بتهديدات المناهضين للخدمة بقطع ارزاقهم، والقيام بتقديم شكاوى قضائية ضدهم بتهمة القذف والتشهير ومطالبتهم بتعويضات باهضة، وتحديد حركة بامر قضائي او التهديد باستخدام العنف الجسدي، ومثل هذه التهديدات يقوم بها المجندون انفسهم او من يساندهم، دون أي خشية من تقديم شكوى ضدهم في الشرطة، ذلك لانهم يعلمون ان الشرطة والسلطة السياسية التي تدعمهم قادرة ان "تحلهم من المشنقة". بالمقابل، يقوم كاهن التجنيد ومن معه بتقديم الشكاوى بشكل مستمر، ولأتفه الاسباب، حتى بلغ عدد الدعاوى المقدمة في المحاكم الى العشرات، وبلغت قيمة التعويضات المطلوبة من مناهضي الخدمة الى ملايين الشواقل.

المقلق في الامر هو ليس النتيجة القضائية المتوقعة، انما ينبع القلق من اربعة أسباب اخرى: اولا، موافقة المحاكم على القبول الاولي للدعاوى بسهولة بالغة، الامر الذي يشجع السلطات ومن يخدمهم على التمادي في قمع المناهضين للخدمة دون  اعتبار لحرية التعبير في مجتمع ديموقراطي. ثانيا، التكاليف التي يتحملها المدعى عليه للدفاع عن حقه في التعبير وهو حق اساس تكفله القوانين الاسرائيلية والدولية على حد سواء. وهنا تصبح الحقوق الاساسية ليست مفهومة ضمنا وانما يحتاج الدفاع عنها تكاليف باهضة وهذا اخطر ما يهدد المجتمع الديموقراطي. ثالثا، قد تشكل التهديديات بقطع الارزاق والتكاليف المطلوبة للدفاع عن الحق الاساس في التعبير عن الرأي ، حتى وان انتهت هذه الدعاوى القضائية الى الفشل، عوامل رادعة اشبه بما هو الحال تحت الحكم العسكري.  ورابعا، ان المهتمين بالدفاع عن حقوق الانسان من مثقفين ولبراليين، والمؤسسات الحقوقية لم تتدخل، بعد، بالقدر المطلوب للدفاع عن هذا الحق الاساس لتكفل ممارسته فعليا، لقد بادر الى ذلك بعض المحاضرين في جامعة حيفا دفاعا عن حق الطلاب العرب في احياء مناسباتهم الوطنية، فتحولت المبادرة الفردية بسرعة الى عريضة وقع عليها عشرات المحاضرين ومئات الطلاب من جامعات مختلفة في اسرائيل  دفاعا الحق الاساس في حرية التعبير عن الرأي ونجحت المحاولة في اعادة الطلاب الى مقاعدهم الدراسية. مثل هذه التجربة يجب ان تتكرر ليس فقط في المحاكم الجامعية، بل في المحاكم المدنية حيث تقدم الدعاوى العشوائية ضد مناهضي الخدمة.

من جهة اخرى ، تشير الاخبار ان الطرف الأضعف، العربي، المهدَّد (بفتح الدال) وليس المهدِّد (بكسر الدال)، لم يبادر الى تقديم شكاوى معاكسة ضد العنف الكلامي والجسدي الذي يمارسه اعوان السلطة او ضد التحقيقات المخابراتية والقوى الأمنية الاخرى ضدهم، فهل تمنعنا قناعتنا القائلة ان الشرطة متحيزة او ان المحاكم متحيزة للطرف الاخر، من تقديم الشكاوى والدعاوى المطلوبة؟ اعتقد اننا بحاجة الى مراجعة جدية لهذا السلوك، حتى وان بقينا على قناعاتنا من تحيز السلطات التنفيذية والقضائية.

هذا الارهاب الفكري والسياسي والاقتصادي الحكومي يجب ان يتوقف، او سنجد انفسنا في حالة تجاوزناها من نصف قرن، حكم عسكري وقمع وإرهاب واقامات جبرية وفصل من العمل وتمييز على خلفية سياسية وقومية. وهذا واجب كل واحد منا وواجب المؤسسات الحقوقية، وهي مسؤولية القوى السياسية وممثليها ايضا. 

 

اليف صباغ 22/5/14




حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

السبت، 3 مايو 2014

في ذكرى النكبة انطلاق الحملة العالمية للععودة

            انطلاق الحملة العالمية للعودة الى فلسطين
                                                    اليف صباغ
حين دعاني الاخ العزيز سالم صويص، مُركّز الحملة العالمية للعودة، في الاردن، للمشاركة في الندوة الاقليمية لهذه الحملة في عمان يوم الاثنين الماضي، احترت فيما يتوجب علي ان اقوله في قضية لا تكفيها الموسوعات. واستعدت نقاشا رافقني في شبابي المبكر حول التسمية، "النكبة"، من أطلق على الحدث هذه التسمية ولماذا؟ ما هي ايحاءات التسمية؟ هل كانت التسمية مقصودة ام انها تعبير لغوي او تراثي أخذ حيزا في اذهان الجماهير ففرض نفسه. النكبة، في نظري، ليست قدرا من عند الله بالرغم من ان التسمية توحي بذلك، بقصد ان دون قصد، لأن الاعتقاد انها "قدرٌ" قد يخفف من المعاناة ولكنه قد يؤدي الى الاستسلام ايضا، ويبعد الشبهة عن المجرمين والمسؤولين الحقيقيين عنها. ومن هنا فقد بدأت مداخلتي في الندوة المذكورة بهذا الموضوع، وهذا بعض ما قلت:
النكبة ليست قضية فقدان الأرض فقط، ولا هي فقدان السيادة في الوطن فقط، ولا فقدان الذاكرة الفلسطينية والهوية والانتماء، وفقدان الأمل، النكبة هي فقدان كل هذه المركبات واشياء أخرى كثيرة، ومن هنا فان معالجة كل هذه المواضيع ومركبات اخرى، هو ما يحول النكبة من مناسبة للنّدب والتّذكر والحسرة، أي من طاقة سلبية، الى مناسبة للتعلم من الماضي والتحفز والعمل، أي لنحولها الى طاقة ايجابية. وهنا لا بد ان نؤكد ايضا ان حق اللاجئين بالعودة هي ليست قضية اللاجئين وحدهم، بل هي قضية وحق كل الشعب الفلسطيني في كل اماكن تواجده، وهي قضية الامة العربية ومسؤوليتها ثانيا، وهي قضية الضمير الانساني العالمي الذي لم يستطيع بعد ان يعيد الحق لاصحابه، وهو مسؤول بالتاكيد عن استمرار الجريمة التي تنفذها دولة اسرائيل ضد شعبنا الفلسطيني في انكار كامل للقانون الدولي الانساني.
في كل يوم، وفي ذكرى النكبة بالذات، علينا ان نتمعن في حالة اخوتنا في المخيمات الفلسطينية، ان كانت هذه المخيمات في ظل السلطة الفلسطينية او في ظل انظمة عربية أخرى، ولا ننسى حال المهجرين في المناطق المحتلة من فلسطين عام 48، ولا حال الفلسطينيين الذين شردوا للمرة الثانية او الثالثة فتناثروا في العالم الكبير ولكنهم لم ينسوا وطنهم . فحال المخيمات الفلسطينية اليوم اسوأ عشرات المرات مما كان عليه الحال قبل عشرين سنة، فمستوى التعليم في تراجع مخيف، وعليه يترتب تراجع في كل مجالات الحياة، في الحالة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ...الخ،  ويشهد الناشطون في المخيمات ان غياب المؤسسات التعليمية التي استوعبت ابناء المخيمات سابقا، في اوروبا الشرقية والعراق وسوريا وليبيا ومصر واماكن اخرى، وضعف او تراجع الاونروا عن القيام بواجباتها، فان غالبية المخيمات الفلسطينية تشهد ظواهر اجتماعية مخيفة جدا لا تليق بشعبنا الفلسطيني المناضل، هذا الشعب الذي شكل قدوة للصمود والنضال من اجل التحرر لعقود من الزمن فشهدت له الشعوب المقهورة واهتدت بنضالاته. وفي حين ان الجهل يولد الفتنة ويخلق التشرذم وتبعية للفرد، ويفقد المناضلين بوصلتهم الوطنية، فان المعرفة تولد وعيا وتبني رؤية وخططا لمستقبل افضل. ومن هنا، فان استعادة الحياة التعليمية في المخيمات الى المستوى الذي عرفناه في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، بل افضل منه، هو واجب وطني فلسطيني وعربي ودولي من الدرجة الاولى، وهذا المطلب يشكل احد أهم التحديات لمنظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الفلسطينية خاصة لانها المهيمن على القرار وعلى مقدرات الشعب الفلسطيني وحياته. ان استعادة الحياة التعليمية في المخيمات فيها مصلحة للشاب والفتاة والطفل والمرأة ، وهي تشكل الرافعة الاساس لتعزيز صمود اهلنا في هذا الظرف الصعب بالذات، وابقاء حق العودة حيا وقابلا للتحقيق.
النكبة حالة مستمرة، للأسف، ليس فقط في حالة استمرار اللجوء الفلسطيني خارج الوطن او التهجير في الداخل، بل في محاولة اسرائيلية مفضوحة لتفكيك الهوية القومية والوطنية للشعب الفلسطيني الى هويات طائفية، وتجنيد ابناء هذه الطائفة او تلك في صفوف قوات الاحتلال ليكون القاتل والمقتول فلسطينيان. ومن هنا اتت المبادرة الوطنية التي تبنتها لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، ولا بد ان تسندها مؤسسات شعبنا عامة، لتتصدى الى هذا المخطط بعمل وحدوي يعبر فيه المسيحيون والمسلمون والدروز عن وحدة الشعب ووحدة القضية ووحدة المصير في مواجهة الاحتلال والاستعمار الصهيوني.
اما العودة فتتطلب ايضا تواصلا وتكاملا بين ابناء الشعب الواحد، لانها وعي وطني متجدد ومتعمق ، وهي مبادرات وخطط وفعل على الارض، واذكر منها مبادرة الحراك الفلسطيني لبناء قرى جديدة في المنطقة سي، مثل "باب الشمس" و"عيد حجلة" وغيرها، دون انتظار اذن من قوات الاحتلال، واذكر حركة مهجري الداخل الذين ينظمون زيارات سنوية الى القرى المهجرة لتعريف ابنائهم واحفادهم على قراهم وبيوت اجدادهم، واحياء ذاكرتهم وصقل وعيهم وتأكيدهم على حقهم بالعودة الى ارضهم وبيوتهم التي هجروا منها عنوة، بالاضافة الى مسيرة سنوية ، للسنة السابعة عشر، الى احدى القرى المهجرة، وبالذات في يوم "استقلالهم" لنؤكد ان يوم استقلالهم هو يوم نكبتنا.  ولا بد من الاشادة بحركة "فلسطينيات"، بقيادة المحامي جهاد ابو ريا وزوجته هزار يعقوب حجازي، الذين استطاعا تأطير عدد كبير من الناشطين فحولوا شهر رمضان الماضي الى أمسيات رمضانية في عدد من القرى المهجرة، هذه النشاطات اثبتت ان مبادرة فردية او جماعية واعية وهادفة يمكن تحويلها الى حراك شعبي، اذا ما تمحورت حول هدف واتخذت اليات مبدعة. اما الأهم في نظري فهي العودة الفعلية الى القرى النهجرة، ولو كان عودة هادئة دون ضجيج اعلامي، التي يقوم بها مجموعة من شباب قريتي اقرث وبرعم المهجرتين، وقد بدأت العودة الفعلية من خلال ترميم المقابر ومن ثم الكنائس، وكذلك في قريتي معلول والمجيدل، واحيائها في الاعياد والمناسبات العامة والخاصة، ودفن الموتي في مقبرة البلدة المهجرة، واقامة طقوس الحياة مثل العمّاد والزواج في الكنيسة، وكان آخرها في كنيسة البصة قبل اسبوعين. وكانت الحركة الاسلامية ايضا قد رممت عددا من المساجد والمقابر في القرى المهجرة او في المدن المختلطة. ولا ننسى مبادرة سابقة لاقامة تنظيم قطري للقرى غير المعترف بها في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وقد نجحت المبادرة في انتزاع اعتراف بغالبية هذه القرى وان بقي الصراع مستمرا في النقب وبعض القرى في الجليل. كل هذه المبادرات انطلقت في غياب رعاية المؤسسة الفلسطينية العليا والمؤسسات الامة العربية الرسمية،  وبعضها جاء ردا على الاهمال او التقصير الفلسطيني الرسمي لقضية اللاجئين، وهي في الحقيقة تحتاج اليوم الى رعاية مؤسساتية فلسطينية وعربية ودولية، الى دعم مادي وسياسي مفقود لغاية الان، دون محاولات إفساد او شد سياسي فئوي، كما يحصل عادة.
العودة ليست حلما، بل حق يتوجب تعزيزه في الظرف الراهن، وتحقيقه فعليا لاحقا، ولهذا لا بد من خلق حالة التواصل بين ابناء الشعب الواحد، وابناء اللاجئين والمهجرين بالذات، في كل اماكن تواجدهم. يهدف التواصل الى حفظ الذاكرة الجمعية، الى تحفيز المبادرات الفردية وخاصة الشبابية منها والتعلم من التجربة. ويتطلب هذا توثيقا حقيقيا للمكان والزمان، وتوثيقا للرواية الفلسطينية ممن شهدها بأم عينه، ونقل هذه الرواية الى اطفالنا والى العالم اجمع، ويتطلب استخداما متقدما لوسائل الاعلام الحديثة، وخلق شبكة اعلامية دولية، بعد ان تكون فلسطينية وعربية، بلغات مختلفة. ويعني التواصل ايضا اقامة مخيمات صيفية للأطفال من ابناء القرى المهجرة وغيرهم ممن يقيمون في الوطن وخارج الوطن، خاصة في اروربا وامريكا وغيرهما، لتكون هنا على ارض الوطن وفي القرى المهجرة بالذات.
اذا كان مشروع تحرير المناطق التي احتلت في حزيران 1967 واقامة الدولة الفلسطينية هو المشروع الوطني الأهم لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي استثنتنا بعد اوسلو، فان العودة الى القرى المهجرة، في الداخل بالذات، هو المشروع الوطني الحقيقي لفلسطينيي المناطق المحتلة عام 1948. اما سلخ ابناء شعبنا في الداخل بحجة انها "قضية اسرائيلية داخلية" فهي تشويه لوحدة هذا الشعب ووحدة قضيته، وهي تنازل غير مقبول عن حق العودة، كحق فردي ووطني في آن معا.
                                        _______________________
البقيعة 3.5.12

 

 

 

حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

الأحد، 15 ديسمبر 2013

اليكسا تفضح المستور

تشهد وسائل الاعلام الاسرائيلية العبرية نقاشا متواصلا حول مدى نجاح او فشل الاجهزية المسؤولة، قطريا او محليا، في التعامل مع العاصفة الثلجية اليكسا. ومع اعتراف البعض بالفشل او التقصير ويصل ببعض الصحفيين حتى المطالبة بلجنة تحقيقق لمحاسبة المسؤولين، تصدر التعليقات وخاصة من اصدقائي لتنعي هيئات الطواريء وشركة الكهرباء وتلكؤ الشرطة واجهزة اخرى.
 
اتفهم هذه الرغبة في رؤية هذه الاجهزة وقد سقطت، او رغبة بالتشفي او في تأكيد الّلاكمال فيمن يدعي التفوق والكمال، والمقصود هو اسرائيل، وبالرغم من قناعتي ان التهويل الاسرائيلي بالتفوق او الكمال ، وليس فقط على محيطها العربي، انما هو جزء من الخطاب الاعلامي الممنهج لتغذية الذات العنصرية العنجهية المتكبرة، الا انني مع ذلك، ارى ضرورة ان اذكر ما يلي:
1. عندما يتابع الاعلام الاسرائيلي عمل اجهزة الدولة وادائها لواجباتها تجاه المواطن، اليهودي طبعا، نرى الاعلام يتخذ جانب المواطن وليس جانب السلطة. 2. بالاختلاف عن الاعلام العربي، يشكل الاعلام الاسرائيلي، العبري طبعا، منصة مباشرة
 للجمهور واداة لمحاسبة اي مسؤول قصّر بواجبه مهما علا شأنه. 3. ان تصرف الهيئات الاسرائيلية ، الفاعلة والمراقبة، في حالة الطواريء يمكن ان ينطبق عليها تعريف " اجهزة الدولة"، بينما يقتصر عمل الهيئات العربية المماثلة، إن وُجدت، على مساعدة اصحاب السلطة والمقربين منهم. 4. قد يذهب اي مسؤول في اسرائيل الى بيته في حالة فقدان ضحية واحدة نتيجة اهمال او توانٍ، بينما لا تقوم الهيئات العربية المماثلة، إن وجدت، حتى بتعداد الضحايا، وفي الغالب تعرف جميعهم، وسرعان ما يعيدون ذلك الى مشيئة الله وكان احدا من البشر لا يتحمل مسؤولية ما حصل. ولكي لا يكون كلامي مجردا انظروا حولكم، في اقرب دائرة لكم لتتاكدوا مما اقول. في القدس العربية قطعت  كوابل الكهرباء التابعة لشركة كهرباء القدس وحرم سكان حي بيت حنينا لمدة ثلاثة ايام متواصلة وما يزال من التيار الكهربائي او من امكانية الوصول الى المنازل لايصال غاز التدفئة، فاين هي  اجهزة الاغاثة الفلسطينية التي يفترض ان تكون هيئات بديلة للحتلال؟ واين هم موظفوا شركة الكهرباء العربية المقدسية؟ واين هو الاعلام الفلسطيني ليفضح الاحتلال الاسرائيلي؟  من السهل او نلقي كل تقصير على الاحتلال ولكن السؤال الذي يتوجب على من يدعي المسؤولية الوطنية في القدس ان يجيب عليه، اين انتم وماذا فعلتم؟ وهل تريدون القدس عاصمة للدولة الفلسطينية دون قيام هيئات فاعلة لاغاثة السكان في حالات الطوارئ؟ ليس هذا المثال وحيدا، ولكي لا نعلق كل الموبقات على شماعة الاحتلال، فماذا عن رام الله؟ هل عملت هيئات الاغاثة كما يجب؟ هل فتحت الطرقات؟ هل اعيد التيار الكهربائي الى المخيمات؟  ولماذا توفي دكتور باسم مكحول المحاضر في جامعة بير زيت  اثر نوبة قلبية وهو ينتظر سيارة الاسعاف لمدة ساعة وربع ولم تصل بسبب الشوارع التي لم تصلها جرافات السلطة بعد؟
ليس فقط سلطة رامالله لا تعير اهتماما للمواطن، فمن هي الانظمة العربية التي تتصرف بمفهوم اجهزة  دولة؟ بينما تتصرف مجمل الهيئات في اسرائيل على انها  اجهزة دولة ، وان كنا نعلم انها دولة مصطنعة. وهي دولة احتلال اقيمت على انقاض شعبنا. اليست هذه مصيبة بحد ذاتها؟ وهل نريد "دولة" فلسطينية  من نموذج "الدول" العربية؟ ام ان العرب لم يستوعبوا بعد ماهية مفهوم الدولة والفارق الكبير بينها وبين السلطة والحكم؟

اليف صباغ
15.12.13


حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

الثلاثاء، 16 أبريل 2013

مسيرة العودة وعناق العَلَمين


مع حبي واحترامي وتقديري الكبير للقائمين على جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين،  وحرصهم على الوحدة الوطنية لضمان امكانية  تطبيق حق العودة مهما بلغت التضحيات او تقلبت الظروف، الا انهم اخطأوا خطأ فادحا باتخاذ قرار يمنع رفع اي علم غير العلم الفلسطيني في مسيرة العودة، في حين ان الهدف غير المعلن هو منع رفع العلم السوري، علم العروبة الذي غيبته جامعة النعاج ومؤتمر القمامة واستبدلوه بعلم الانتداب الفرنسي في قمة الدوحة الاخيرة.

اخطات اللجنة في تقدير معنى وأبعاد تغييب العلم الوطني السوري في حين تتعرض سوريا لعدوان دولي استعماري صهيوني رجعي عرباوي. فهل نقبل نحن الفلسطينيون بتغييب علمنا تحت اي حجة او سبب؟  نعم، هكذا هي الامور ومسكين او مغفل او خائن من لا يرى ذلك بعد اكثر من سنتين على سفك الدماء السورية ، البريئة من كل ذنب الا "ذنب" الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في العودة والاستقلال والحرية.

ليس خطأ فقط، بل خطيئة سيذكرها التاريخ، ان يساوي المهجرون الفلسطينيون بين العلم السوري بنجمتيه اللتين ترمزان الى وحدة مصر وسوريا من جهة وبين علم الانتداب الفرنسي المستعمر والبغيض، الذي انزله الشعب السوري بتضحيات ابنائه، بدمائهم الزكية وارواحهم الطاهرة. وبدا للبعض وكأن التنازل  عن العلم السوري  اليوم هو ما يحمي الوحدة الفلسطينية وحق العودة. أهي بساطة  شعبنا التي نكبتنا ونكستنا على مدى عقود كثيرة  أو غباء  وعجز قيادات رضخت لاملاءات اعدائها  باسم الحكمة  المزيفة، وهي حكمة العاجزين؟ ام رضوخ لاصحاب الدولار والنفط  والبحث عن مصالح ووعود هلامية اودت بشعبنا الى مزيد من الفرقة والتشرذم وما تزال؟ الم نرى كيف جعل الدولار من شعبنا او بالاحرى من قياداته المتصارعة اشباه ايتام على مآدب اللئام؟

هل نسيتم ايها الاخوة والاخوات من تآمر على شعبنا وعلى العلم الفلسطيني منذ ما قبل النكبة وحتى اليوم؟ اليست جامعة النعاج نفسها؟ الم يتقدم احمد الشقيري بكرسيه الى جانب طاولة الجامعة عنوة، وكانوا  قد وضعوا مقعده من الخلف، وكأنه لاعب متفرج، خوفا من غضب امريكا وبريطانيا وفرنسا؟ الم يتأمر العربان على حق العودة في مؤتمر القمامة الذي عقد في آذار 2002  وخرج بمبادرة استسلام عربية، ولولا موقف سوريا ومن ثم لبنان كان حق العودة اصبح في خبر كان؟ الا تذكرون؟   الا تذكرون لماذا قال لهم بشار الاسد في ذلك المؤتمر انهم "اشباه رجال"؟ الا تدفع سوريا اليوم، والرئيس بشار الاسد بالذات، ثمنا لهذه المواقف المؤيدة لحق العودة؟

هل تذكرون يوم اعلنت امريكا ان حماس حركة ارهابية ولا يجوز للنظام الاردني ان يبقي قياداتها تحت مظلته؟ فمن هي الجهة او الدولة التي احتضنت خالد مشعل وباقي القيادة الحمساوية؟ اليست سوريا برئاسة بشار الاسد؟  ام ان الخيانة اصبحت سمه العصر؟

ان كنتم لا تذكرون كل هذا، فلا بأس، فكثر هم اصحاب الذاكرة القصيرة او يريدونها كذلك لانها تسهل عليهم حياتهم وتعفيهم من التحديات الصعبة.  هل فكرتم كيف يمكن الحفاظ على اصدقائنا وحلفائنا في العالم حين نتنازل عمن  استضاف شعبنا افضل ضيافة واحمى قياداتنا في اصعب الظروف في اول ازمة يواجهها؟ اليس من العيب ان نسيء الى اخوتنا المهجرين في مخيمات اللجوء في سوريا؟  هل فعلا يرضى ابناء صفد وحيفا وطبريا  وصفوريا والمجيدل وسعسع وترشيحا ووووو بهذا الموقف؟

الم يحن الوقت بعد ان نتخذ قراراتنا الوطنية بشكل مستقل دون اي ابتزاز رخيص ومذل؟ الم يحن الوقت لنفهم  ضرورة الحفاظ على حلفائنا الطبيعيين والتاريخيين واولهم سوريا بنظامها المعادي للاستعمار والاستحمار وشعبها الابي المخلص لقضية فلسطين؟ الم يحن الوقت لنعرف العدو من الصديق؟

في مسيرة العودة، وكل مسيرة وطنية لا بد ان يتعانق العلم الفلسطيني مع العلم السوري بنجمتيه، ولا احد، نعم لا احد، يستطيع ان يمنع ذلك مهما بلغت درجة الالتزام التنظيمي لهذا الفريق او ذاك، فهذا شعبنا ،وانتم كما نحن، نعرفه جيدا، فلسطين في نظر الغالبية العظمة من شعبنا هي سوريا الجنوبية. وهي جزء لا يجزأء من بلاد الشام بحضارتها وتاريخها وسكانها ورسالتها السماوية، ومن يدعاو للفصل بين شقي البرتقالة وكانه يدعو الى الانتحار، او على الاقل الى التشرذم والاندحار.

هذه مسيرة وطنية وقومية في آن معا، هذه مسيرة العودة الى فلسطين لا مسيرة  الهرولة الى النفط او الدولار.

فلا عودة بقرار قطري او سعودي، ولا عودة  بقرار امريكي او فرنسي، لا عودة بغياب سوريا العروبية التي حمت وتحمي المقاومة الفلسطينية واللبنانية.

لا تفقدوا البوصلة! لا تدعوا هزيمة العربان عنوانا لعودتكم، فالهزيمة لا تلد الا الهزيمة...


اليف صباغ
مدونة حيفا برس 16.4.13





حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .