الاثنين، 2 يونيو 2014

رسالة عاجلة الى غبطة البطريرك الراعي



                            مَن أغواكَ يا غبطة البطريرك؟

كغيرنا من اصحاب الشأن، وعشية زيارتكم الى بلادنا، ناقشنا معنى وتداعيات هذه الزيارة عليكم في لبنان وعلينا كفلسطينيين يقبعون تحت الاحتلال الاسرائيلي، وعلى المسيحيين العرب عامة والفلسطينيين منهم خاصة، وهم يمرون ظروفا معقدة ويقفون في مواجهة تحديات مصيرية تتمثل في مخططات اسرائيلية لتجنيد الشباب المسيحي في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948 في صفوف قوات الاحتلال.

في هذه الظروف بالذات نقوم، مسيحيون ومسلمون ودروز، بجهد كبير جدا لمواجهة هذا المخطط بعد ان سقط في شراكه عشرات الشباب بادعاء الحاجة الى تأمين عمل او الحاجة الى حماية اسرائيلية من شرور ابناء جلدتهم، الأمر الذي يذكرنا بتجنيد المحتل الاسرائيلي لمليشيات لبنانية ساعدته في قمع اللبنانيين وشاركته القتل والتدمير والتعذيب في سجون يخيم فيها الظلم والظلام، واشهرها كما تعلمون هو سجن "الخيام" في جنوب لبنان، كما يذكرنا هذا بالمصير المأساوي الذي واجهه وما زال يواجهه هؤلاء العملاء ممن جندهم الاحتلال لخدمته ضد ابناء شعبهم ووطنهم بادعاء حمايتهم.

حين سُئلت عن موقفي من زيارتكم الى بلادنا استغرب سائلي جوابي الايجابي، المرحِّب بالزيارة، فقلت : ان الزيارة كما تم التصريح عنها لا تعدو كونها زيارة رعوية وواجب يقوم به اب روحي تجاه ابنائه فهذا حق ابنائه عليه وواجبه تجاههم. لم يكن موقفي نابعا من سذاجة ما وانما قلت ذلك بعد ان تابعت تصريحاتكم وتأكدت من مصادر موثوقة، اضافة الى التصريحات المباشرة، ان زيارتكم لن تتضمن أي لقاء مع شخصية سياسية او دينية اسرائيلية، الامر الذي يمكن ان يحسب تطبيعا مع العدو لو حصل لا سمح الله. وأضفت، انني لا اعارض الزيارة باعتبار ان المضمون اهم من الشكل مع عدم انكار العلاقة بينهما، وباعتبار ان التواصل بين ابناء الشعب الواحد، كما التواصل بين الرعية وابيها الروحي يُفتَرض ان يكون هو الامر الطبيعي وليس تطبيعا.

وعليه، يا غبطة البطريرك، قمت بالمشاركة في استقبالكم في قرية برعم المهجرة لاستمع الى ما تقولون بشكل مباشر وليس فقط عبر شاشات التلفزيون، وحين سُئِلت هناك من احدى الصحفيات عن موقفي من الزيارة كررت الموقف نفسه. وماذا عن مقابلة عملاء لحد غدا؟ سألت الصحفية، فأجبت، ان الأهم في الامر ليس المقابلة نفسها بل مضمونها. أي ماذا سيقول لهم غبطة البطريرك، واشرت ان رجال الدين عامة لا يمكنهم ان يتخلوا عن ابنائهم مهما كانت افعالهم، متسامحون، يصلون لاعدائهم، ويحبون مبغضيهم، هكذا هي التعاليم الدينية المسيحية التي يلتزم بها كل رجل دين، فكم بالحري لو كان البطريرك نفسه؟. واشرت الى موقفكم المتكرر عند لقاء رعاياكم في الايام الاخيرة وتوصيتكم لهم "ألا يهاجروا بلادهم مهما كانت الأسباب"... "لان من يترك وطنه انما يخسر ذاته وكل شيء". هكذا قلتم لأهل برعم وإقرث والمنصورة، وتمنيتم ان تحتفلوا معهم قريبا بالعودة الى قراهم التي هجرتهم منها دولة اسرائيل قسرا وهدمت بيوتهم امام اعينهم. كل هذه التصريحات، وخاصة انها تكررت سابقا ولاحقا عند الالتقاء بابناء الرعية في مدنهم وقراهم الفلسطينية، زادتني قناعة بمصداقية موقفي من الزيارة. حتى انني تراجعت عن نيتي تسليمكم رسالة اطالبكم فيها توجيه كلمة الى الشباب المسيحيي في فلسطين بعدم الانحراط في صفوف قوات الاحتلال الاسرائيلي مهما كانت المسميات، خاصة وانكم تعلمون أي حال من البؤس والذل والمهانة يعيشها اولئك الجنوبيون من جنود لحد في اسرائيل، واكتفيت بتصريحاتكم المذكورة ليفهم ابناء رعيتكم الرسالة، ومنعا للإحراج.

بعد انتهاء اسبوع حافل بالزيارات والتصريحات التي اكدت الطابع والمضمون الكنسي لزيارتكم، جاء تصريحكم الاخير مُدوّيا ينسف كل ما صرحتم به من قبل.  فوجئنا من حدة التصريح الذي يبرئ عملاء لحد من الجرائم التي ارتكبوها ضد دولتهم اللبنانية وشعبهم وشعبنا الفلسطيني المشرد في لبنان. فوجئنا من اعتبار مَن تجند في صفوف العدو الاسرائيلي وقتل ابناء قريته وشعبه واعتقلهم وعذبهم وشردهم، ليس مجرما بل برئ حتى انه، وفق تصريحاتكم، افضل من "الآخرين" الموجودين في لبنان. فوجئنا من توقيت هذا التصريحات ونحن على بعد اسبوع واحد من انعقاد المؤتمر الوطني العام ضد الخدمة العسكرية والمدنية بكافة أشكالها، التي تخطط اسرائيل لفرضها على الشباب المسيحي بشكل خاص. فوجئنا ونحن نخشى تداعيات هذا التصريح الخطير على موقف شبابنا من الخدمة في صفوف الجيش الصهيوني . ليس هذا فقط، بل شعرنا بطعنة جنجر مسموم في خاصرتنا. فهل تعطي يا غبطة البطريرك، تبريرات لمن قدموا اقذر الخدمات لجيش الاحتلال؟  وهل يمكن تبرير ذلك؟ وهل يمكن تصنيف اعمالهم الا بالخيانة مهما كانت المبررات؟ وهل تقدم لشبابنا المسيحي هنا تبريرات مسبقة ليخدموا جيش الاحتلال ويشاركوا في قمع شعبهم ودوام تشريده واذلاله؟

لقد تأكد لنا يا غبطة البطريرك ، للمرة الالف، ضرورة ان يهتم رجال الدين في الشؤون الروحية والرعوية دون السياسية . ولا ادري ان كان احدهم قد اشار عليكم بهذا التصريح، بشكل مقصود، ام انكم اصحاب الفكرة والموقف، وفي الحالتين فقد اخطأتم.

ما زال الخنجر يؤلمنا يا غبطة البطريرك، والجرح مفتوح ينتظر منكم رسالة تراجع عن ذلك الموقف المُحزن، رسالة وموقفا لا لبس فيهما ولا تبريرات، علها تخفف الالم وتلأم الجرح المفتوح. اننا ونحن نتجه لعقد المؤتمر الوطني العام ضد كافة اشكال الخدمة في صفوف الاحتلال، العسكرية منها والمدنية، ونحن نبذل كل جهد لنحمي شبابنا المسيحي وغير المسيحي من ملوثات الاحتلال، نطالب غبطتكم برسالة واضحة الى شبابنا المسيحي بشكل خاص، تُنقَل اليهم من خلال المؤتمر المذكور أعلاه، رسالة لا لبس فيها ولا تأويل، لا تبرر أي خدمة في صفوف العدو، ولا تبرئ من خان شعبه وأهله من اجل حفنة مال مهما كانت الاسباب.

كلنا امل ان تكون تصريحاتكم المذكورة مجرد زلة لسان، لا موقفا يعكس قناعاتكم الشخصية او تلبية لنصيحة من هذا وذاك استرضاء لعدو لا يؤمن جانبه.

                                                             باحترام: اليف صباغ.

.البقيعة- الجليل الاعلى

1 حزيران 2014

 

الكاتب هو عضو اللجنة المبادرة واللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني العام ضد الخدمة العسكرية وكافة اشكال التجنيد. الذي سيعقد في مدينة سخنين يوم الجمعة القادم 6 حزيران تحت شعار "أُرفض! لستَ خادما"




حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

الخميس، 22 مايو 2014

مَن يهدد مَن؟


مَن يُهدّد مَن؟

تشتد ، في الاونة الأخيرة، الهجمة الحكومية باذرعها المخابراتية والشرطية والقضائية المفضوحة لقمع حرية التعبير ومنع أي نشاط لمناهضة مخطط تجنيد شبابنا العرب في خدمة الاحتلال، حتى لو كانت هذه المناهضة مجرد كلمة كتبت على صفحات الانترنت، او تظاهرة او فعالية فنية او طلابية او حتى محاضرة في احد النوادي التابعة لهيئة حكومية او ما شابه،
ويتمثل الارهاب الحكومي الرسمي، وغير الرسمي، بتهديدات المناهضين للخدمة بقطع ارزاقهم، والقيام بتقديم شكاوى قضائية ضدهم بتهمة القذف والتشهير ومطالبتهم بتعويضات باهضة، وتحديد حركة بامر قضائي او التهديد باستخدام العنف الجسدي، ومثل هذه التهديدات يقوم بها المجندون انفسهم او من يساندهم، دون أي خشية من تقديم شكوى ضدهم في الشرطة، ذلك لانهم يعلمون ان الشرطة والسلطة السياسية التي تدعمهم قادرة ان "تحلهم من المشنقة". بالمقابل، يقوم كاهن التجنيد ومن معه بتقديم الشكاوى بشكل مستمر، ولأتفه الاسباب، حتى بلغ عدد الدعاوى المقدمة في المحاكم الى العشرات، وبلغت قيمة التعويضات المطلوبة من مناهضي الخدمة الى ملايين الشواقل.

المقلق في الامر هو ليس النتيجة القضائية المتوقعة، انما ينبع القلق من اربعة أسباب اخرى: اولا، موافقة المحاكم على القبول الاولي للدعاوى بسهولة بالغة، الامر الذي يشجع السلطات ومن يخدمهم على التمادي في قمع المناهضين للخدمة دون  اعتبار لحرية التعبير في مجتمع ديموقراطي. ثانيا، التكاليف التي يتحملها المدعى عليه للدفاع عن حقه في التعبير وهو حق اساس تكفله القوانين الاسرائيلية والدولية على حد سواء. وهنا تصبح الحقوق الاساسية ليست مفهومة ضمنا وانما يحتاج الدفاع عنها تكاليف باهضة وهذا اخطر ما يهدد المجتمع الديموقراطي. ثالثا، قد تشكل التهديديات بقطع الارزاق والتكاليف المطلوبة للدفاع عن الحق الاساس في التعبير عن الرأي ، حتى وان انتهت هذه الدعاوى القضائية الى الفشل، عوامل رادعة اشبه بما هو الحال تحت الحكم العسكري.  ورابعا، ان المهتمين بالدفاع عن حقوق الانسان من مثقفين ولبراليين، والمؤسسات الحقوقية لم تتدخل، بعد، بالقدر المطلوب للدفاع عن هذا الحق الاساس لتكفل ممارسته فعليا، لقد بادر الى ذلك بعض المحاضرين في جامعة حيفا دفاعا عن حق الطلاب العرب في احياء مناسباتهم الوطنية، فتحولت المبادرة الفردية بسرعة الى عريضة وقع عليها عشرات المحاضرين ومئات الطلاب من جامعات مختلفة في اسرائيل  دفاعا الحق الاساس في حرية التعبير عن الرأي ونجحت المحاولة في اعادة الطلاب الى مقاعدهم الدراسية. مثل هذه التجربة يجب ان تتكرر ليس فقط في المحاكم الجامعية، بل في المحاكم المدنية حيث تقدم الدعاوى العشوائية ضد مناهضي الخدمة.

من جهة اخرى ، تشير الاخبار ان الطرف الأضعف، العربي، المهدَّد (بفتح الدال) وليس المهدِّد (بكسر الدال)، لم يبادر الى تقديم شكاوى معاكسة ضد العنف الكلامي والجسدي الذي يمارسه اعوان السلطة او ضد التحقيقات المخابراتية والقوى الأمنية الاخرى ضدهم، فهل تمنعنا قناعتنا القائلة ان الشرطة متحيزة او ان المحاكم متحيزة للطرف الاخر، من تقديم الشكاوى والدعاوى المطلوبة؟ اعتقد اننا بحاجة الى مراجعة جدية لهذا السلوك، حتى وان بقينا على قناعاتنا من تحيز السلطات التنفيذية والقضائية.

هذا الارهاب الفكري والسياسي والاقتصادي الحكومي يجب ان يتوقف، او سنجد انفسنا في حالة تجاوزناها من نصف قرن، حكم عسكري وقمع وإرهاب واقامات جبرية وفصل من العمل وتمييز على خلفية سياسية وقومية. وهذا واجب كل واحد منا وواجب المؤسسات الحقوقية، وهي مسؤولية القوى السياسية وممثليها ايضا. 

 

اليف صباغ 22/5/14




حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

السبت، 3 مايو 2014

في ذكرى النكبة انطلاق الحملة العالمية للععودة

            انطلاق الحملة العالمية للعودة الى فلسطين
                                                    اليف صباغ
حين دعاني الاخ العزيز سالم صويص، مُركّز الحملة العالمية للعودة، في الاردن، للمشاركة في الندوة الاقليمية لهذه الحملة في عمان يوم الاثنين الماضي، احترت فيما يتوجب علي ان اقوله في قضية لا تكفيها الموسوعات. واستعدت نقاشا رافقني في شبابي المبكر حول التسمية، "النكبة"، من أطلق على الحدث هذه التسمية ولماذا؟ ما هي ايحاءات التسمية؟ هل كانت التسمية مقصودة ام انها تعبير لغوي او تراثي أخذ حيزا في اذهان الجماهير ففرض نفسه. النكبة، في نظري، ليست قدرا من عند الله بالرغم من ان التسمية توحي بذلك، بقصد ان دون قصد، لأن الاعتقاد انها "قدرٌ" قد يخفف من المعاناة ولكنه قد يؤدي الى الاستسلام ايضا، ويبعد الشبهة عن المجرمين والمسؤولين الحقيقيين عنها. ومن هنا فقد بدأت مداخلتي في الندوة المذكورة بهذا الموضوع، وهذا بعض ما قلت:
النكبة ليست قضية فقدان الأرض فقط، ولا هي فقدان السيادة في الوطن فقط، ولا فقدان الذاكرة الفلسطينية والهوية والانتماء، وفقدان الأمل، النكبة هي فقدان كل هذه المركبات واشياء أخرى كثيرة، ومن هنا فان معالجة كل هذه المواضيع ومركبات اخرى، هو ما يحول النكبة من مناسبة للنّدب والتّذكر والحسرة، أي من طاقة سلبية، الى مناسبة للتعلم من الماضي والتحفز والعمل، أي لنحولها الى طاقة ايجابية. وهنا لا بد ان نؤكد ايضا ان حق اللاجئين بالعودة هي ليست قضية اللاجئين وحدهم، بل هي قضية وحق كل الشعب الفلسطيني في كل اماكن تواجده، وهي قضية الامة العربية ومسؤوليتها ثانيا، وهي قضية الضمير الانساني العالمي الذي لم يستطيع بعد ان يعيد الحق لاصحابه، وهو مسؤول بالتاكيد عن استمرار الجريمة التي تنفذها دولة اسرائيل ضد شعبنا الفلسطيني في انكار كامل للقانون الدولي الانساني.
في كل يوم، وفي ذكرى النكبة بالذات، علينا ان نتمعن في حالة اخوتنا في المخيمات الفلسطينية، ان كانت هذه المخيمات في ظل السلطة الفلسطينية او في ظل انظمة عربية أخرى، ولا ننسى حال المهجرين في المناطق المحتلة من فلسطين عام 48، ولا حال الفلسطينيين الذين شردوا للمرة الثانية او الثالثة فتناثروا في العالم الكبير ولكنهم لم ينسوا وطنهم . فحال المخيمات الفلسطينية اليوم اسوأ عشرات المرات مما كان عليه الحال قبل عشرين سنة، فمستوى التعليم في تراجع مخيف، وعليه يترتب تراجع في كل مجالات الحياة، في الحالة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ...الخ،  ويشهد الناشطون في المخيمات ان غياب المؤسسات التعليمية التي استوعبت ابناء المخيمات سابقا، في اوروبا الشرقية والعراق وسوريا وليبيا ومصر واماكن اخرى، وضعف او تراجع الاونروا عن القيام بواجباتها، فان غالبية المخيمات الفلسطينية تشهد ظواهر اجتماعية مخيفة جدا لا تليق بشعبنا الفلسطيني المناضل، هذا الشعب الذي شكل قدوة للصمود والنضال من اجل التحرر لعقود من الزمن فشهدت له الشعوب المقهورة واهتدت بنضالاته. وفي حين ان الجهل يولد الفتنة ويخلق التشرذم وتبعية للفرد، ويفقد المناضلين بوصلتهم الوطنية، فان المعرفة تولد وعيا وتبني رؤية وخططا لمستقبل افضل. ومن هنا، فان استعادة الحياة التعليمية في المخيمات الى المستوى الذي عرفناه في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، بل افضل منه، هو واجب وطني فلسطيني وعربي ودولي من الدرجة الاولى، وهذا المطلب يشكل احد أهم التحديات لمنظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الفلسطينية خاصة لانها المهيمن على القرار وعلى مقدرات الشعب الفلسطيني وحياته. ان استعادة الحياة التعليمية في المخيمات فيها مصلحة للشاب والفتاة والطفل والمرأة ، وهي تشكل الرافعة الاساس لتعزيز صمود اهلنا في هذا الظرف الصعب بالذات، وابقاء حق العودة حيا وقابلا للتحقيق.
النكبة حالة مستمرة، للأسف، ليس فقط في حالة استمرار اللجوء الفلسطيني خارج الوطن او التهجير في الداخل، بل في محاولة اسرائيلية مفضوحة لتفكيك الهوية القومية والوطنية للشعب الفلسطيني الى هويات طائفية، وتجنيد ابناء هذه الطائفة او تلك في صفوف قوات الاحتلال ليكون القاتل والمقتول فلسطينيان. ومن هنا اتت المبادرة الوطنية التي تبنتها لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، ولا بد ان تسندها مؤسسات شعبنا عامة، لتتصدى الى هذا المخطط بعمل وحدوي يعبر فيه المسيحيون والمسلمون والدروز عن وحدة الشعب ووحدة القضية ووحدة المصير في مواجهة الاحتلال والاستعمار الصهيوني.
اما العودة فتتطلب ايضا تواصلا وتكاملا بين ابناء الشعب الواحد، لانها وعي وطني متجدد ومتعمق ، وهي مبادرات وخطط وفعل على الارض، واذكر منها مبادرة الحراك الفلسطيني لبناء قرى جديدة في المنطقة سي، مثل "باب الشمس" و"عيد حجلة" وغيرها، دون انتظار اذن من قوات الاحتلال، واذكر حركة مهجري الداخل الذين ينظمون زيارات سنوية الى القرى المهجرة لتعريف ابنائهم واحفادهم على قراهم وبيوت اجدادهم، واحياء ذاكرتهم وصقل وعيهم وتأكيدهم على حقهم بالعودة الى ارضهم وبيوتهم التي هجروا منها عنوة، بالاضافة الى مسيرة سنوية ، للسنة السابعة عشر، الى احدى القرى المهجرة، وبالذات في يوم "استقلالهم" لنؤكد ان يوم استقلالهم هو يوم نكبتنا.  ولا بد من الاشادة بحركة "فلسطينيات"، بقيادة المحامي جهاد ابو ريا وزوجته هزار يعقوب حجازي، الذين استطاعا تأطير عدد كبير من الناشطين فحولوا شهر رمضان الماضي الى أمسيات رمضانية في عدد من القرى المهجرة، هذه النشاطات اثبتت ان مبادرة فردية او جماعية واعية وهادفة يمكن تحويلها الى حراك شعبي، اذا ما تمحورت حول هدف واتخذت اليات مبدعة. اما الأهم في نظري فهي العودة الفعلية الى القرى النهجرة، ولو كان عودة هادئة دون ضجيج اعلامي، التي يقوم بها مجموعة من شباب قريتي اقرث وبرعم المهجرتين، وقد بدأت العودة الفعلية من خلال ترميم المقابر ومن ثم الكنائس، وكذلك في قريتي معلول والمجيدل، واحيائها في الاعياد والمناسبات العامة والخاصة، ودفن الموتي في مقبرة البلدة المهجرة، واقامة طقوس الحياة مثل العمّاد والزواج في الكنيسة، وكان آخرها في كنيسة البصة قبل اسبوعين. وكانت الحركة الاسلامية ايضا قد رممت عددا من المساجد والمقابر في القرى المهجرة او في المدن المختلطة. ولا ننسى مبادرة سابقة لاقامة تنظيم قطري للقرى غير المعترف بها في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وقد نجحت المبادرة في انتزاع اعتراف بغالبية هذه القرى وان بقي الصراع مستمرا في النقب وبعض القرى في الجليل. كل هذه المبادرات انطلقت في غياب رعاية المؤسسة الفلسطينية العليا والمؤسسات الامة العربية الرسمية،  وبعضها جاء ردا على الاهمال او التقصير الفلسطيني الرسمي لقضية اللاجئين، وهي في الحقيقة تحتاج اليوم الى رعاية مؤسساتية فلسطينية وعربية ودولية، الى دعم مادي وسياسي مفقود لغاية الان، دون محاولات إفساد او شد سياسي فئوي، كما يحصل عادة.
العودة ليست حلما، بل حق يتوجب تعزيزه في الظرف الراهن، وتحقيقه فعليا لاحقا، ولهذا لا بد من خلق حالة التواصل بين ابناء الشعب الواحد، وابناء اللاجئين والمهجرين بالذات، في كل اماكن تواجدهم. يهدف التواصل الى حفظ الذاكرة الجمعية، الى تحفيز المبادرات الفردية وخاصة الشبابية منها والتعلم من التجربة. ويتطلب هذا توثيقا حقيقيا للمكان والزمان، وتوثيقا للرواية الفلسطينية ممن شهدها بأم عينه، ونقل هذه الرواية الى اطفالنا والى العالم اجمع، ويتطلب استخداما متقدما لوسائل الاعلام الحديثة، وخلق شبكة اعلامية دولية، بعد ان تكون فلسطينية وعربية، بلغات مختلفة. ويعني التواصل ايضا اقامة مخيمات صيفية للأطفال من ابناء القرى المهجرة وغيرهم ممن يقيمون في الوطن وخارج الوطن، خاصة في اروربا وامريكا وغيرهما، لتكون هنا على ارض الوطن وفي القرى المهجرة بالذات.
اذا كان مشروع تحرير المناطق التي احتلت في حزيران 1967 واقامة الدولة الفلسطينية هو المشروع الوطني الأهم لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي استثنتنا بعد اوسلو، فان العودة الى القرى المهجرة، في الداخل بالذات، هو المشروع الوطني الحقيقي لفلسطينيي المناطق المحتلة عام 1948. اما سلخ ابناء شعبنا في الداخل بحجة انها "قضية اسرائيلية داخلية" فهي تشويه لوحدة هذا الشعب ووحدة قضيته، وهي تنازل غير مقبول عن حق العودة، كحق فردي ووطني في آن معا.
                                        _______________________
البقيعة 3.5.12

 

 

 

حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

الأحد، 15 ديسمبر 2013

اليكسا تفضح المستور

تشهد وسائل الاعلام الاسرائيلية العبرية نقاشا متواصلا حول مدى نجاح او فشل الاجهزية المسؤولة، قطريا او محليا، في التعامل مع العاصفة الثلجية اليكسا. ومع اعتراف البعض بالفشل او التقصير ويصل ببعض الصحفيين حتى المطالبة بلجنة تحقيقق لمحاسبة المسؤولين، تصدر التعليقات وخاصة من اصدقائي لتنعي هيئات الطواريء وشركة الكهرباء وتلكؤ الشرطة واجهزة اخرى.
 
اتفهم هذه الرغبة في رؤية هذه الاجهزة وقد سقطت، او رغبة بالتشفي او في تأكيد الّلاكمال فيمن يدعي التفوق والكمال، والمقصود هو اسرائيل، وبالرغم من قناعتي ان التهويل الاسرائيلي بالتفوق او الكمال ، وليس فقط على محيطها العربي، انما هو جزء من الخطاب الاعلامي الممنهج لتغذية الذات العنصرية العنجهية المتكبرة، الا انني مع ذلك، ارى ضرورة ان اذكر ما يلي:
1. عندما يتابع الاعلام الاسرائيلي عمل اجهزة الدولة وادائها لواجباتها تجاه المواطن، اليهودي طبعا، نرى الاعلام يتخذ جانب المواطن وليس جانب السلطة. 2. بالاختلاف عن الاعلام العربي، يشكل الاعلام الاسرائيلي، العبري طبعا، منصة مباشرة
 للجمهور واداة لمحاسبة اي مسؤول قصّر بواجبه مهما علا شأنه. 3. ان تصرف الهيئات الاسرائيلية ، الفاعلة والمراقبة، في حالة الطواريء يمكن ان ينطبق عليها تعريف " اجهزة الدولة"، بينما يقتصر عمل الهيئات العربية المماثلة، إن وُجدت، على مساعدة اصحاب السلطة والمقربين منهم. 4. قد يذهب اي مسؤول في اسرائيل الى بيته في حالة فقدان ضحية واحدة نتيجة اهمال او توانٍ، بينما لا تقوم الهيئات العربية المماثلة، إن وجدت، حتى بتعداد الضحايا، وفي الغالب تعرف جميعهم، وسرعان ما يعيدون ذلك الى مشيئة الله وكان احدا من البشر لا يتحمل مسؤولية ما حصل. ولكي لا يكون كلامي مجردا انظروا حولكم، في اقرب دائرة لكم لتتاكدوا مما اقول. في القدس العربية قطعت  كوابل الكهرباء التابعة لشركة كهرباء القدس وحرم سكان حي بيت حنينا لمدة ثلاثة ايام متواصلة وما يزال من التيار الكهربائي او من امكانية الوصول الى المنازل لايصال غاز التدفئة، فاين هي  اجهزة الاغاثة الفلسطينية التي يفترض ان تكون هيئات بديلة للحتلال؟ واين هم موظفوا شركة الكهرباء العربية المقدسية؟ واين هو الاعلام الفلسطيني ليفضح الاحتلال الاسرائيلي؟  من السهل او نلقي كل تقصير على الاحتلال ولكن السؤال الذي يتوجب على من يدعي المسؤولية الوطنية في القدس ان يجيب عليه، اين انتم وماذا فعلتم؟ وهل تريدون القدس عاصمة للدولة الفلسطينية دون قيام هيئات فاعلة لاغاثة السكان في حالات الطوارئ؟ ليس هذا المثال وحيدا، ولكي لا نعلق كل الموبقات على شماعة الاحتلال، فماذا عن رام الله؟ هل عملت هيئات الاغاثة كما يجب؟ هل فتحت الطرقات؟ هل اعيد التيار الكهربائي الى المخيمات؟  ولماذا توفي دكتور باسم مكحول المحاضر في جامعة بير زيت  اثر نوبة قلبية وهو ينتظر سيارة الاسعاف لمدة ساعة وربع ولم تصل بسبب الشوارع التي لم تصلها جرافات السلطة بعد؟
ليس فقط سلطة رامالله لا تعير اهتماما للمواطن، فمن هي الانظمة العربية التي تتصرف بمفهوم اجهزة  دولة؟ بينما تتصرف مجمل الهيئات في اسرائيل على انها  اجهزة دولة ، وان كنا نعلم انها دولة مصطنعة. وهي دولة احتلال اقيمت على انقاض شعبنا. اليست هذه مصيبة بحد ذاتها؟ وهل نريد "دولة" فلسطينية  من نموذج "الدول" العربية؟ ام ان العرب لم يستوعبوا بعد ماهية مفهوم الدولة والفارق الكبير بينها وبين السلطة والحكم؟

اليف صباغ
15.12.13


حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

الثلاثاء، 16 أبريل 2013

مسيرة العودة وعناق العَلَمين


مع حبي واحترامي وتقديري الكبير للقائمين على جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين،  وحرصهم على الوحدة الوطنية لضمان امكانية  تطبيق حق العودة مهما بلغت التضحيات او تقلبت الظروف، الا انهم اخطأوا خطأ فادحا باتخاذ قرار يمنع رفع اي علم غير العلم الفلسطيني في مسيرة العودة، في حين ان الهدف غير المعلن هو منع رفع العلم السوري، علم العروبة الذي غيبته جامعة النعاج ومؤتمر القمامة واستبدلوه بعلم الانتداب الفرنسي في قمة الدوحة الاخيرة.

اخطات اللجنة في تقدير معنى وأبعاد تغييب العلم الوطني السوري في حين تتعرض سوريا لعدوان دولي استعماري صهيوني رجعي عرباوي. فهل نقبل نحن الفلسطينيون بتغييب علمنا تحت اي حجة او سبب؟  نعم، هكذا هي الامور ومسكين او مغفل او خائن من لا يرى ذلك بعد اكثر من سنتين على سفك الدماء السورية ، البريئة من كل ذنب الا "ذنب" الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في العودة والاستقلال والحرية.

ليس خطأ فقط، بل خطيئة سيذكرها التاريخ، ان يساوي المهجرون الفلسطينيون بين العلم السوري بنجمتيه اللتين ترمزان الى وحدة مصر وسوريا من جهة وبين علم الانتداب الفرنسي المستعمر والبغيض، الذي انزله الشعب السوري بتضحيات ابنائه، بدمائهم الزكية وارواحهم الطاهرة. وبدا للبعض وكأن التنازل  عن العلم السوري  اليوم هو ما يحمي الوحدة الفلسطينية وحق العودة. أهي بساطة  شعبنا التي نكبتنا ونكستنا على مدى عقود كثيرة  أو غباء  وعجز قيادات رضخت لاملاءات اعدائها  باسم الحكمة  المزيفة، وهي حكمة العاجزين؟ ام رضوخ لاصحاب الدولار والنفط  والبحث عن مصالح ووعود هلامية اودت بشعبنا الى مزيد من الفرقة والتشرذم وما تزال؟ الم نرى كيف جعل الدولار من شعبنا او بالاحرى من قياداته المتصارعة اشباه ايتام على مآدب اللئام؟

هل نسيتم ايها الاخوة والاخوات من تآمر على شعبنا وعلى العلم الفلسطيني منذ ما قبل النكبة وحتى اليوم؟ اليست جامعة النعاج نفسها؟ الم يتقدم احمد الشقيري بكرسيه الى جانب طاولة الجامعة عنوة، وكانوا  قد وضعوا مقعده من الخلف، وكأنه لاعب متفرج، خوفا من غضب امريكا وبريطانيا وفرنسا؟ الم يتأمر العربان على حق العودة في مؤتمر القمامة الذي عقد في آذار 2002  وخرج بمبادرة استسلام عربية، ولولا موقف سوريا ومن ثم لبنان كان حق العودة اصبح في خبر كان؟ الا تذكرون؟   الا تذكرون لماذا قال لهم بشار الاسد في ذلك المؤتمر انهم "اشباه رجال"؟ الا تدفع سوريا اليوم، والرئيس بشار الاسد بالذات، ثمنا لهذه المواقف المؤيدة لحق العودة؟

هل تذكرون يوم اعلنت امريكا ان حماس حركة ارهابية ولا يجوز للنظام الاردني ان يبقي قياداتها تحت مظلته؟ فمن هي الجهة او الدولة التي احتضنت خالد مشعل وباقي القيادة الحمساوية؟ اليست سوريا برئاسة بشار الاسد؟  ام ان الخيانة اصبحت سمه العصر؟

ان كنتم لا تذكرون كل هذا، فلا بأس، فكثر هم اصحاب الذاكرة القصيرة او يريدونها كذلك لانها تسهل عليهم حياتهم وتعفيهم من التحديات الصعبة.  هل فكرتم كيف يمكن الحفاظ على اصدقائنا وحلفائنا في العالم حين نتنازل عمن  استضاف شعبنا افضل ضيافة واحمى قياداتنا في اصعب الظروف في اول ازمة يواجهها؟ اليس من العيب ان نسيء الى اخوتنا المهجرين في مخيمات اللجوء في سوريا؟  هل فعلا يرضى ابناء صفد وحيفا وطبريا  وصفوريا والمجيدل وسعسع وترشيحا ووووو بهذا الموقف؟

الم يحن الوقت بعد ان نتخذ قراراتنا الوطنية بشكل مستقل دون اي ابتزاز رخيص ومذل؟ الم يحن الوقت لنفهم  ضرورة الحفاظ على حلفائنا الطبيعيين والتاريخيين واولهم سوريا بنظامها المعادي للاستعمار والاستحمار وشعبها الابي المخلص لقضية فلسطين؟ الم يحن الوقت لنعرف العدو من الصديق؟

في مسيرة العودة، وكل مسيرة وطنية لا بد ان يتعانق العلم الفلسطيني مع العلم السوري بنجمتيه، ولا احد، نعم لا احد، يستطيع ان يمنع ذلك مهما بلغت درجة الالتزام التنظيمي لهذا الفريق او ذاك، فهذا شعبنا ،وانتم كما نحن، نعرفه جيدا، فلسطين في نظر الغالبية العظمة من شعبنا هي سوريا الجنوبية. وهي جزء لا يجزأء من بلاد الشام بحضارتها وتاريخها وسكانها ورسالتها السماوية، ومن يدعاو للفصل بين شقي البرتقالة وكانه يدعو الى الانتحار، او على الاقل الى التشرذم والاندحار.

هذه مسيرة وطنية وقومية في آن معا، هذه مسيرة العودة الى فلسطين لا مسيرة  الهرولة الى النفط او الدولار.

فلا عودة بقرار قطري او سعودي، ولا عودة  بقرار امريكي او فرنسي، لا عودة بغياب سوريا العروبية التي حمت وتحمي المقاومة الفلسطينية واللبنانية.

لا تفقدوا البوصلة! لا تدعوا هزيمة العربان عنوانا لعودتكم، فالهزيمة لا تلد الا الهزيمة...


اليف صباغ
مدونة حيفا برس 16.4.13





حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

الاثنين، 25 فبراير 2013

شموع النفط الجولاني

في ظل الدخان الكثيف الذي يلف الاجواء العربية، والسورية بشكل خاص، ويسمى بلغة النفط والدولار ربيعا عربيا، اصدرت دولة الاحتلال، أي اسرائيل، ممثلة بوزير الطاقة عوزي لاندو، قبل أيام،  ترخيصا لشركة امريكية بالتنقيب عن النفط في الجولان السوري المحتل. فهل يكون هذا الترخيص بداية لربيع آخر؟
لم يكن ذلك القرار ابن الساعة، بل  كانت حكومة اسرائيل، قبل اكثر من عقدين من الزمن، قد اوكلت طاقما من علماء الجيولوجيا للبحث عن الكنوز الطبيعية في الجولان، فاظهرت الدراسات ان الجولان السوري المحتل يحوي على كميات لا بأس بها من النفط والغاز، فبادرت الحكومة، آنذاك، لطرح مناقصة لشركات التنقيب عن النفط، ولكن رابين، رئيس الحكومة في تلك الفترة، أوقفها خشية اتهامه بعرقلة المفاوضات بين سوريا واسرائيل. في العام 1996 قام بيبي نتانياهو، عند استلامه رئاسة الحكومة، الى فتح ملف المناقصة من جديد، لكنه عاد وتوقف عن ذلك لاعتبارات لم يفسرها آنذاك، وبقى الملف في الادراج حتى الربيع من العام الماضي (2012)، حين اتخذ وزير الطاقة عوزي لاندو ( حزب ليبرمان) قرارا "سريا"، كما وصفته وكشفت عنه وسائل الاعلام العبرية آنذاك، لتحضير مناقصة للتنقيب عن النفط في الجولان فتقدمت لذلك شركتان فقط وفازت شركة "جيني" الامريكية بالمناقصة، ووفقا لتلك المناقصة قام الوزير، قبل ايام، بمنح الشركة ترخيصا للتنقيب عن النفط على النصف الجنوبي من الجولان المحتل، فهل هي بشائر الربيع الاسرائيلي القادم؟
تفيد  المعلومات المنشورة، ان شركة "جيني" التي حصلت على حق التنقيب عن النفط في الجولان السوري المحتل هي شركة  مسجلة في الولايات المتحدة، ويرأسها وزير البنى التحتية السابق في اسرائيل، إيفي إيتام، وهو ضابط كبير في جيش الاحتلال الاسرائيلي وهو مستوطن في الجولان ايضا، وينتمي الى حزب "المفدال" سابقا وهو حزب "البيت اليهودي"، اليوم، برئاسة نفتالي بينيط. ولكن ما يلفت الانتباه ليس فقط من يرأس الشركة، بل اسماء الشركاء البارزين فيها وعلى رأسهم ديك تشيني، نائب الرئيس بوش الابن، والملياردير اليهودي البريطاني جاكوف روتشيلد والمياردير، البريطاني ايضا، روبرت مردوخ.

                          موقف القانون الدولي من التنقيب عن النفط في الجولان
تمنع اتفاقيات هاغ، وخاصة في البند 55 من  الاتفاقية الرابعة،  كأحد مرجعيات القانون الدولي الذي يتناول صلاحيات وواجبات القوة المحتلة في المناطق التي احتلتها، سلطات الاحتلال من استغلال الموارد الطبيعية ومنها التنقيب عن النفط او الغاز في الجولان السوري المحتل.
صحيح ان اسرائيل ضمت الجولان المحتل للسيادة الاسرائيلية بموجب قانون خاص عام 1981 ، لكن أحدا في العالم، بما في ذلك رجال القانون الدولي في اسرائيل، لا يعترف بتلك السيادة، وبالتالي ما يزال القانون الدولي واتفاقيات هاغ ملزمة لاسرائيل كقوة محتلة للجولان. في قضايا مشابهة في الماضي، تناولها القاضي المتقاعد اهرون براك، رئيس المحكمة العاليا سابقا، واحد اهم رجال القضاء في تاريخ اسرائيل،  كتب، بأن " اتفاقيات هاغ تدور حول محورين أساسيين، أحدهما – تأمين الاحتياجات الأمنية للقوات العسكرية في المنطقة المحتلة، والآخر- تأمين حاجات السكان المحليين الذين وقعوا تحت الاحتلال في تلك المناطق". واضاف، "لا يجوز للحاكم العسكري الاخذ بعين الاعتبار المصالح القومية الاقتصادية او الاجتماعية لدولته، طالما ان ذلك لا يعكس الحاجة العسكرية او حاجات ومصلحة السكان المحليين الواقعين تحت الاحتلال".
هناك رأي آخر في اسرائيل يمثله بروفيسور يورام دنشطاين، وهو، كعادته، يُسوّغ للاحتلال الاسرائيل كل ما يفعله في المناطق المحتلة مدعيا ان اسرائيل، كقوة محتلة، تستطيع تعليل استثماراتها في الجولان بأنها "تعود بالفائدة على السكان المحليين". فكيف يكون ذلك؟ وما هو الدليل على ان ارباح ديك تشيني تعود بالفائدة على المواطنين السوريين في الجولان المحتل؟ مثل هذه التعليلات لا تصمد امام المحاكم الدولية، وأكبر إثبات على ذلك هي الدعوى القضائية التي قدمتها مصر ضد اسرائيل قبل سنة،  للمطالبة بتعويضات عن الاضرار التي لحقت بمصر خلال فترة الاحتلال، ووفقا للدعوى تطالب مصر اسرائيل بدفع تعويضات تقدر ب 480 مليارد دولار منهم  عشرات مليارات الدولارات مقابل سحب اسرائيل للنفط والغاز من سيناء.
                                                   الظروف والأهداف
اذن بالرغم من موقف القانون الدولي والتجربة التي مرت بها اسرائيل في سيناء، لماذا تصر على تحدي العالم والقانون الدولي وتصدر ترخيصا للتنقيب عن النفط في الجولان المحتل؟
لا يمكن الاجابة على هذا السؤال دون فهم "المنطق" الاسرائيلي. لقد صبرت مصر اكثر من ثلاثين عاما بعد اتفاق كامب ديفيد حتى اتخذت قرارها بتقديم دعوى تعويضات ضد اسرائيل، وقد يأخذ الامر عقودا اضافية حتى تنتهي القضية وعقودا اضافية حتى يستتب الحال في سوريا لتقدم أي دعوى ضد اسرائيل، وبالتالي فهي، في "المنطق" السياسي الاسرائيلي، فرصة تاريخية سانحة للربح والتطور حتى تأتي تلك الساعة ، ومن يدري؟ فقد لا تاتي!! ولكن كما ان الظروف مؤاتية كذلك التوقيت.
لقد جاء القرار الاسرائيلي المذكور في ظل ظروف عربية مؤاتية لاسرائيل ومعادية لسوريا، وفي ظل ازمة سوريا لا تسمح لها بالالتفات الى العدو الخارجي في حين ان بيتها الداخلي يشتعل، وربما لن يكون لها القدرة على ذلك لسنوات عديدة قادمة. لقد عبر عن ذلك رئيس الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية السابق، عاموس يدلين، في المؤتمر الاخير لمجلس الامن القومي في اسرائيل بقوله: " مهما كانت نتائج الازمة السورية، وبغض النظر ان بقي الاسد في رئاسة الدولة او جاء فرق آخر الى الحكم، فان سوريا لن تستطيع محاربة اسرائيل في العقد القادم، لانها ستكون منهكة وستلتفت الى شؤونها الداخلية لترمم ما هدمته الحرب". هذا الاستنتاج لا بد ان يقود المستثمرين والسياسيين الاسرائيليين الى انتهاز الفرصة وتحدي القانون الدولي للتطلع الى ربيع اسرائيلي قادم. تأكيدا لذلك اعلنت اسرائيل قبل اسبوعين ايضا انها تنوي اقتطاع جزء من الجولان السوري على جانبي خط وقف اطلاق النار، وبعرض 16 كيلومتر، لاقامة حزام امني تحسبا لاستمرار المعارك في سوريا، و"حماية" لمواطنيها من تداعيات تلك الحرب. هذا في الوقت الذي تعلن فيه تركيا انها تنوي اقتطاع جزء آخر من سوريا على حدودها ايضا.
اذن، تظن اسرائيل، كما تظن تركيا، وربما آخرون، ان الفرصة مؤاتية لاقتطاع اجزاء من سوريا، بعد ان فشلوا في تفكيكها الى دويلات، واستغلال ثرواتها الطبيعية دون حسيب او رقيب. والملفت للانتباه ايضا ان كل ذلك يحصل في ظل التحضير المكثف للزيارة التاريخية للرئيس الامريكي براك اوباما الى اسرائيل، وفي ظل جهود امريكية مكثفة في اوروبا للبحث في مستقبل السياسة الغربية في الشرق الاوسط بشكل عام وتجاه سوريا بشكل خاص، وجهود مكثفة لاقامة حكومة بديلة للمليشيات المسلحة في المناطق التي يمكن اقتطاعها من الحكم المركزي للنظام السوري، فتسيطر عليها هذه المليشيات برعاية اسرائيلية وتركية وأمريكية وربما بتمويل خليجي. إن زيارة اوباما الى اسرائيل، هي زيارة الى منطقة الشرق الاوسط، وقلبه، وفق العقيدة الامريكية، اسرائيل، وبالتالي، لن تكون زيارة عابرة، وتثبت الجهود الدبلوماسية والعسكرية التي تبذلها امريكا واسرائيل ومصر وتركيا وووو، انها تهدف الى ترتيب اوراق الولايات المتحدة مع حلفائها وادواتها في الشرق الاوسط من جديد، في حين لم يسقط من الاستراتيجية الامريكية هدف التخلص من الرئيس الاسد،  بصفته عقدة كأداء، كما كان والده المرحوم حافظ الاسد، امام المخططات الاستراتيجية والمصالح الامريكية الاسرائيلية في الشرق الاوسط. من هنا يمكن القول: ان اسرائيل بمجمل قراراتها، بما في ذلك الترخيص لسحب النفط من الجولان، انما تعبر بشكل مباشر وعملي عن رغبتها في حصة جوهرية من هذا الربيع، وهي تترك العشب الاخضر لتستمتع بها النعاج العربية على هواها.

اليف صباغ
مدونة حيفا برس
الجليل 24.2.2013

حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

الجمعة، 22 فبراير 2013

رسائل قصيرة لمن يهمه الامر


تكثر الاخبار والتعليقات والتحليلات حول مستقبل الجهود التي يبذلها بيبي نتانياهو لتشكيل حكومته الجديدة، وتبقى في الاذهان بعض الاسئلة المفتوحة.

ما هو سر الحلف بين لبيد وبينيط في ظل اختلاف واضح حول مسيرة التسوية السياسية؟  

يتفق الطرفان، أولا وقبل كل شي، على ضرورة ان تعالج الحكومة القادمة مواضيع الاجندة الداخلية، وعنوانها تقاسم العبء الاقتصادي والأمني، دون تأجيل او مناورات يتقنها بيبي نتانياهو. يعلم لبيد وبينيط ان هذه الاجندة هي التي غيرت موازين القوى الحزبية لصالح هذين الحزبين وهي التي ستزيد من قوة القائمتين اذا ما جرت انتخابات جديدة. فنتائج الاستطلاع الذي بثته قناة الكنيست بالأمس يؤكد ذلك. لبيد بموجب هذا الاستطلاع، ينتقل من 19 الى 30  عضوا وبينيط من 12 الى 15 والليكود بيتنا يفقد عشرة اعضاء. أما النتيجة الحتمية، وغير المباشرة، لدفع هذه الاجندة على رأس سلم اولويات الحكومة، من وجهة نظر بينيط، هو ابعاد التسوية السياسية عن رأس جدول الاعمال، كما تريده ليفني، وهذا هو مكسب هام جدا، لحزبه. اما لبيد فليس لديه مانع من ابعاد التسوية عن رأس السلم لانه يريد ان ينجز اجندته الداخلية التي اوصلته الى الكنيست أولا.

السؤال الثاني، ان أي حكومة قادمة لا بد وان تقر ميزانية الدولة للعام 2013 على الاقل، فهل يستطيع بيبي ان يضمن تمرير الميزانية بدون حكومة واسعة؟

يعلم بيبي انها مهمة صعبة، ويحاول اخفاء موضوع الميزانية وراء ظهره، او تحت غيمة التحديات الامنية، ولكنه لن يستطيع ذلك لفترة طويلة، ولن يستطيع ان يمرر الميزانية دون موافقة لبيد وبينيط.

السؤال الثالث، ما هي موازين القوى البرلمانية في موضوع التسوية السياسية؟ وهل يمكن التقدم بها بعد انجاز الاجندة الداخلية؟

يبدو ان الابتعاد عن موضوع التسوية في ظل الحملة الانتخابية فرض ميزان قوى جديد يتمحور حول الاجندة الداخلية، ولكن لو تم استثمار هذه التركيبة البرلمانية لاحقا نجد ان غالبية اعضاء الكنيست سيذهبون باتجاه التسوية التي  ترضى بها امريكا وتدافع عنها، حتى وان لم تكن هي التسوية التي يرضى بها الشعب الفلسطيني. لن يبقى في طرف معارضة التسوية، وفق التصور الامريكي، الذي هو تصور ليفني ومن قبلها اولمرت، سوى الليكود بيتنا، هذا ان بقي على حاله، (31)، والبيت اليهودي (12)، اما شاس وحتى يهدوت هتوراه (18) فيمكن ان ترضيان بمقايضة مواقفهما السياسية بميزانيات لمدارسهما الدينية.

هذا يقودنا للانتباه الى قضيتين مرافتين لهذا السيناريو: الاولى، هل يسمح "ائتلاف التسوية" ان يعتمد على الاصوات العربية في الكنيست؟ وهل يستطيع ان ينفذ التسوية اذا ما قرر ذلك؟ أشك كثيرا جدا ان يكون لهذين السؤالين اجوبة ايجانية؟ وهنا يقع الجميع في حالة عبثية لا مخرج منها الا باعجوبة، وهم يحبون العجائب، خاصة عجائب بوريم...

اليف صباغ

مدونة حيفا برس

الجليل 22.2.13



حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

الأربعاء، 20 فبراير 2013

بيبي وورقة التوت




"إما تسيبي أو بيبي"، هكذا كان شعار ليفني عشية الانتخابات الاخيرة، بينما وعد نتانياهو ناخبيه ان "تسيبي لن تحصل على أي دور سياسي" في حكومته القادمة. يبدو ان كلام الليل يمحوه النهار، وكلام ما قبل الانتخابات يهدف الى جذب الناخبين من فئة ما بينما كلام ما بعد الانتخابات فهو يتعدى مشهد الناخبين المساكين الى حين تأتي الانتخابات القادمة، وعليه فقد انضمت تسيبي ليفني بالأمس الى حكومة نتانياهو الجديدة، فكانت أول من انضم اليها بعد ان حُسبَت، قبل الانتخابات، انها قد تكون آخر من يمكن ان يفعل ذلك. مرة أخرى يتأكد لكل متابع، ان الواقع او النتيجة الانتخابية وتحديات المرحلة يفرضون أنفسهم،  فتتغير مواقف القيادات ومواقعها، ولكن قد لا يتغير الهدف الحقيقي وقد لا يتغير النهج.

يخطىئ من يعتقد ان بيبي غيّر اهدافه الحقيقية من مسيرة التسوية السياسية ونتائجها، انما، بخطوته هذه، يصر ان يظهر وكأنه في وسط الخارطة السياسية في اسرائيل ولا يضيره ان يُموضِعَ نفسه في يمين الوسط، ولذلك فهو يحتاج الى حلفائه في اليمين الأكثر تطرفا ليبقى امام جمهوره الاسرائيلي "حامي حمى" أرض اسرائيل والأمن والاستيطان، وبالمقابل فهو يحتاج الى قيادات  مقبولة امريكيا واوربيا مثل اهود براك سابقا وتسيبي ليفني حاليا، ليكونوا ورقة التوت التي يغطي بها عورته اليمينية المعادية للسلام، فيسير متباهيا يحسب نفسه محتشِما وهو في الحقيقة عارٍ من كل لباس.

 يخطئ ايضا، من يعتقد، من القيادة الفلسطينية، ان المفاوِضة المخضرمة، تسيبي لفني، ستأتي لهم ب"رأس كليب" وتستطيع ان تجبر رئيسها بيبي نتانياهو على قبول ما لم يقبل به من قبل، حتى وان دعمتها الولايات المتحدة والرئيس اوباما نفسه واوروبا ايضا. ربما يبحث هؤلاء الفلسطينيين عن ورقة توت ايضا ليحتموا بها عند عودتهم الى المفاوضات العبثية مرة أخرى، ليخرجوا منها اذلاء ومهزومين او محبطين في افضل الحالات تحت الضغط الاروربي والامريكي، اكراما لجهود ليفني وحفاظا على عجلات مسيرة التسوية، او خوفا من انتفاضة ثالثة تفضح الجميع. إن مراجعة بسيطة لخطابات بيبي نتانياهو في بار- ايلان والكونغرس والجمعية العمومية، هذه الخطابات التي اعتبرها نتانياهو في مؤتمره الصحفي مع ليفني، بالأمس، أساسا للتفاوض مع الطرف الفلسطيني، وليس قرارات الشرعية الدولية التي تعترف بحق الشعب الفلسطينيي في الحرية والاستقلال، وفي أرضه ومياهه وسيادته حتى وان كانت في حدود العام 1967 فقط ، لا يمكن ان تشكل مدخلا او مرجعية او قاسما مشتركا للتفاوض الاسرائيلي الفلسطيني، اللهم الا اذا كان هناك قيادة فلسطينية مستعدة ان تعلن استسلامها والقبول بما يعرض عليها.

لم يكن الاتفاق مع ليفني مجرد رسالة الى الرأي العام الدولي، الذي صفق للخطوة كما تقول ليفني، بل هي رسالة الى الحلفاء المحتملين في حكومة نتانياهو القادمة ايضا، الى يائير لبيد ونفتالي بينيط. ليس سرا ان نتانياهو يريد حكومة واسعة ومستقرة، حتى وان كان قادرا على تشكيل حكومة ضيقة بجهد اقل، ولكنه يعلم ان أي حكومة ضيقة ان كانت مع حلفائه الطبيعيين من اليمين المتطرف او مع حلفاء جدد مثل يائير لبيد، لن تكون قادرة على المضي لتحقيق مهام متناقضة تنتظر الحكومة، وسيكون رئيسها معرضا للابتزاز والنقد والضغط من كل اتجاه وهو ما لا يريده بيبي نتانياهو، ولذلك يسعى الى اقامة حكومة واسعة كما أسلفت.

 لقد أثبتت الايام والاسابيع الماضية أن جهود نتانياهو لتشكيل حكومة واسعة تصطدم بتحالف صلب بين رئيسي حزبين كبيرين ،وهما يئير لبيد ونفتال بينيط، وهم يساويان 31 عضوا، أي عدد اعضاء حزبي اسرائيل بيتنا برئاسة بيبي نتانياهو، لكن ما ينقص هذين الرئيسين هي الخبرة السياسية، او انهما لم يختبرا، بعد، طريق الخيانات التي يعرفها السياسيون جيدا، ومعلوم ايضا انهما لا يمثلان خطا سياسيا أمنيا مشتركا ولكنهما يشتركان في احد اهم الاجندات السياسة في اسرائيل اليوم وهي حاضر ومستقبل الطبقة الوسطى والازواج الشابة منها وتقاسم العبئ الامني والاقتصادي، وأهمها غلاء الشقق السكنية للازواج الشابة، هذه الاجندة، لمن يتذكر، هي التي غيرت موازين القوى الحزبية في اسرائيل في الانتخابات الاخيرة، فهل يمكن لاحد ان يتجاهلها؟  من هنا نرى ان نتانياهو بخطوته للاعلان عن التحالف مع تسيبي لفني، وباعلانه ايضا ان كديما (عضوان) في طريقها الى الائتلاف وكذلك الاحزاب المتدينة (الحرديم 18 عضوا) انما يبعث برسالة واضحة الى كل من الحزبين انه عازم وقادر على تشكيل الحكومة دون الرضوخ لمطالبهما، وهو في الحقيقة غير قادر،  ولكنه يحاول دق الاسفين بين هذه الحزبين او رئيسي الحزبين، لبيد وبينيط، ومعلوم ان دق الاسافين هي نهج معروف لم يتنازل عنه نتانياهو يوما، هكذا شق حزب العمل وأخذ اهود براك الى حكومته وهكذا شق كديما وجعلها، بشقيها، تركع على ركبتين، وهذا ما يعرفه عنه  نفتالي بينيط جيدا، وعن قرب، حين كان مديرا لمكتب رئيس الحكومة سابقا. ويبقى السؤال، هل ينجح بيبي نتالنياهو في فك هذا التحالف؟ واي من الزعيمين الشابين سيخون حليفه أولا؟ وأي منهما سيدير ظهره لناخبيه أولا؟ علما ان ناخبي بينيط ليسوا من المستوطنين والمتدينين فقط، وان كانت هذه الفئة هي المتنفذة، وانما تفيد الدراسات ان اكثر من اربعة اعضاء من بين اثني عشر عضوا وصلوا الى الكنيست في قائمة بينيط كان بفضل ناخبين من مدن المركز وهم علمانيون يحملون أجندة يائير لبيد الاجتماعية والاقتصادية، وان كانوا يحملون اجندة بينيط الامنية. من هنا، لم ينته بيبي من تشكيل حكومته بعد، اما سكاكين الخيانة فهي جاهزة، ولعبة دق أسافين الشقاق مستمرة، وبيبي اكثر من يتقنها وقد اثبت ذلك.

 

اليف صباغ

مدونة حيفا برس

الجليل 20.2.13

حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

السبت، 16 فبراير 2013

العميل إكس والعالِم واي



تتشعب الاخبار التي تتحدث عن عميل الموساد إكس وتشبع وسائل الاعلام، تدريجيا، بمعلومات عنه، وإن لا تخلو التقارير الاخبارية والتحليلات من اسئلة هامة بقيت أجوبتها طي الكتمان، وقد تبقى كذلك لزمن طويل. لكن، بغض النظر عن التفاصيل المنشورة لغاية الآن، لا بد من الانتباه الى أمرين هامين ابرزتهما هذه المعلومات: الاول، وهو التعرف او التيقن من أهمية الجواسيس في الصراعات الاقليمية أو الدولية، والاساليب او الاشكال المستخدمة، وخاصة من قبل الموساد، لتحقيق أهداف من ارسلهم. ثانيا، الانتباه الى تلك الاسئلة التي ما تزال بحاجة الى أجوبة مقنعة، ومن هنا يحق لنا ان نسأل، اذا كان هذا ما نعرفه عن مصير العميل x ، فما هو مصيرالعالم المخطوف y  ؟

يجدر بنا التذكير ايضا ان المعلومات المنشورة تأتي بعضها نتيجة التحقيقات الصحفية، واخرى نتيجة الثرثرة وتسرب المعلومات الى جهات غير رسمية، وبعضها الاخر يأتي في قنوات التسريب المقصود، ولهذا التسريب دوافعه واهدافه وقد يعكس صراعات داخل الاجهزة او فيما بينها او حتى بين حكومات وزعماء دول.

 

للموضوعية، فالجاسوسية نشاط رافق العمل السياسي والتجاري والعسكري منذ القدم، وما يزال، وسيبقى يرافق ذلك. ويشهد التاريخ ادوارا للجواسيس غيرت العالم، منها ما كُشِف ومنها ما لم يكشف، وأشهر الجواسيس المعروفين في التاريخ الحديث هو ريتشارد سورج، جاسوس الاتحاد السوفييتي الذي عمل في اليابان إبان الحرب العالمية الثانية، وكان صديقا للراقصة اليابانية كيومي، وهي جاسوسة يابانية ايضا، فقام، بما حصل عليه من معلومات، باعلام القادة السوفييت ان اليابان لن تهاجم الجيش الاحمر على جبهة سيبيريا في الوقت الذي كان الجيش الاحمر منهمكا في معركة قاسية مقابل القوات النازية، مما سمح للسوفييت بتوجيه اكثر من 2 مليون جندي من جبهة سيبيريا الى الجبهة الالمانية فانقلبت موازين القوى واندحرت القوات النازية وتغيير مسار الحرب ونهايتها المعروفة.

معلوم ان الجاسوسية تطور ادوات عملها، طبقا للتطور العلمي والتكنولوجي ايضا، وتحتل الاعمال التجارية والتكنولوجيا الالكترونية اليوم أهم ادوات العمل المستخدمة، ولم يعد خاف على أحد ان الموساد يقيم شركات وهمية وغير وهمية في أماكن مختلفة في العالم للتجارة بالسلاح والمعدات الالكترونية المتطورة، وهذا المعدات ليست للاستخدام العسكري فقط بل يمكن ان تكون للاستخدام المدني، الطبي او الزراعي او الاعلامي او أي شيء آخر، وكل ذلك بهدف الوصول الى الاشخاص المطلوبين او جمع المعلومات عن هذه الدولة او تلك او تجنيد العملاء او دعم حركات وتنظيمات، وهكذا تعمل عدة دول غربية وعلى رأسها امريكا. بعض هذا المعلومات تستخدم للتجارة بها، أي لمقايضتها، مع منظمة او دولة او شركة دولية او ما شابه، وبعضها الآخر يستخدم لابتزاز هذا الحاكم او ذاك، واخرى لا بد ان تتحول الى ادوات هامة للتحرك الامني والقيام بعمليات اغتيال او ملاحقة، او ترويج بضاعة في الاسواق الدولية او محاربة شركة او شركات كبرى منافسة على ان يصب كل هذا الجهد في مصلحة الدولة الفاعلة، وفي اسرائيل، كما هو معروف، يخضع كل شيء للسؤال الاهم، ما هي مصلحة اسرائيل؟ او ما هي مصلحة اليهود؟

لم يعد خاف ايضا، ان الموساد الاسرائيلي يستخدم جوازات سفر مزدوجة، اجنبية واسرائيلية، بعلم وتنسيق كامل مع تلك الدول او الاجهزة الامنية فيها، ليقوم عملاء الموساد الاسرائيليين بنشاطهم تحت اسماء اجنبية مستعارة وبجوازات سفر اجنبية، وقد يكون للعميل عدة جوازات سفر باسماء مختلفة، وقد اثبتت المعلومات المتوفرة من حادثة العميل إكس، أي بن زيغير او بن الون او بن ألن، وحادثة اغتيال محمود المبحوح في الامارات، وحوادث اخرى ضُبِط خلالها عملاء الموساد في قبرص وسويسرا وعمان وأماكن اخرى، انهم يعملون بجوازات سفر اوروبية واسترالية وكندية ونيوزيلاندية وكذلك أمريكية، بهدف الوصول الى الاماكن والمعلومات المطلوبة والاشخاص المطلوب اغتيالهم. لكن الأهم، في هذا الامر بالذات، هو ان جوازات السفر ليست مزورة، كما تروج وسائل الاعلام،  بل يتم استصدارها من الدولة المعنية بمعرفة تامة من قبل اجهزة المخابرات المختصة فيها، أي انهم يعلمون بوجود جواز سفر مزدوج للشخص المعني، ويعلمون انه يحمل جواز سفر اسرائيلي وانه خدم في الجيش الاسرائيلي ايضا، وفي حالة العميل إكس تفيد المعلومات الاسترالية ان المدعو بن زيغير تقدم بطلب ثلاثة جوازات سفر استرالية تحت اسماء مختلفة وان دائرة اصدار جوازات السفر أعلمت جهاز المخابرات الاسترالي بذلك، ولم تقم أي جهة بمنعه من حمل الجوازات المختلفة. فهل يستطيع فلسطيني في استراليا من حمل اكثر من جواز سفر واحد؟  اضافة الى استخدام جوازات السفر الاجنبية  يبرز التعاون الدولي العملياتي مع جهاز الموساد لتنفيذ عملياته، وقد علق احد الصحافيين الاسرائيليين على ذلك قبل عدة سنوات بقوله: إن قوة الموساد تعكس مدى التعاون الدولي معه، وبقدر ما تتماهى هذه الدول مع السياسية الاسرائيلية او تعارضها تسمح لهذا التعاون ان يتم او تمنعه. وليس صدفة ان غالبية الفضائح التي وقع فيها عملاء الموساد كانت في فترات حكم بيبي نتانياهو وتذمر الدول الصديقة لاسرائيل من سياسته. من هنا يجب ان نفهم ان اسطورة الموساد تكمن في التعاون الدولي مع اسرائيل، وتتقزم هذه الاسطورة بدون هذا التعاون.  

الاسئلة المفتوحة...

بالرغم من كل المعلومات التي نُشرت عن العميل إكس، والاستنتاجات التي يمكن الوصول اليها من هذه التجربة وما سبقها في تاريخ فضائح الموساد، الا ان الاسئلة التي لم تلقَ اجوبة بعد أكثر أهمية ومنها، كيف يمكن ان يقوم العميل إكس "بشنق" نفسه كما تقول بعض وسائل الاعلام الاسرائيلية، او "بالموت خنقا" او اختناقا، كما تفيد تقارير معهد التشريح الطبي في اسرائيل، وهو موجود في زنزانه نظيفة من أي وسيلة يمكن استخدامها لشنق ان خنق نفسه، ومرصودة بكل الكاميرات الضرورية لمراقبة تحركه على مدار الساعة، وبمجسات قادرة ان تراقب نسبة الاكسجين في رئتي الأسير وحتى نسبة التعرّق على جسمه؟ هذا عدا المراقبة البشرية التي يفترض ان تتابع هذه الاجهزة؟ إم ان أجهزة الانذار هذه تعطلت كلها في لحظة الحقيقة كما تعطلت اجهزة الانذار في سيارات الحريري قبل ساعة من استشهاده؟  والسؤال المرافق، كيف يمكن ان يقوم الاسير إكس بالانتحار بعد يومين فقط من مقابلة المحامي افيغدور فلدمان الذي جالسه لمدة ساعتين على الاقل، وتبع ذلك مفاوضات لانهاء القضية بصفقة قانونية ولائحة اتهام ترضي الطرفين؟  اليست مقابلة المحامي والتفاوض على صفقة أمرين كافيين لخروج الاسير من حالته النفسية المتأزمة التي كانت يمكن ان تقوده الى الانتحار؟ وليس العكس؟ واذا تتبعنا ما قالة أحد كبار رجال المخابرات في اسرائيل للصحفي الاسترالي، في التقرير المطول، من انه "لو عُلِمَ ما يعلمه بن زيغير وما قام به لكان الامر سيشكل خطرا على اسرائيل كدولة".!!!! واو...أئِلى هذا الحد؟ هل يمكن ان نفهم من ذلك ان "انتحار" عميل الموساد كان أمرا لا بد منه، وان أي صفقة تنقذه من هذا المصير كانت ستحسب، لاحقا، خطأ استراتيجيا للموساد؟

اسئلة من نوع أخر تنتظر الاجوبة ايضا. لم يستطع التقرير الاسترالي الربط بين نشاط العميل إكس وعملية اغتيال المبحوح التي شارك بها اربعة عملاء من حملة الجوازات الاسترالية، كما لم يستطع التقرير ربط نشاط العميل إكس بعمليات الاغتيال التي حصلت لعلماء ايرانيين في ايران واماكن أخرى، مع العلم ان إكس اعتاد السفر الى ايران وسوريا ولبنان بحكم عمله في الشركة الوهمية التي تتاجر بالاجهزة التي تحتاجها ايران لمشروعها النووي، فهل كانت اسرائيل على معرفة بمستوى النشاط النووي الايراني من خلال توفير الاجهزة والعتاد المطلوب لها  بواسطة شركات الموساد الوهمية؟ اسمح لنفسي ان اتساءل...  ولم يستطع التقرير ان يربط بين العميل إكس والعالِم الايراني ، علي اشغري (العالم واي في العنوان اعلاه)، الذي اختُطِفَ من فندقه في اسطنبول ومعه، وفق المعلومات التي نشرت في اسرائيل، حقيبة طافحة بالوثائق عن المشروع النووي الايراني، خاصة وان معلومات غير رسمية هنا تؤكد ان العالم الايراني، علي اشغري، موجود في احدى السجون السرية في اسرائيل. فهل يقوم اعضاء الكنيست باستجواب الوزير المسؤول عن ذلك؟ وهل تقوم الجهات الاعلامية الاسرائيلية وغير الاسرائيلية بواجبها لكشف الحقائق او نشر ما تعرفه عن الحقائق المخفية في عتمات السجون السرية؟ وهل تقوم جهات دولية حقوقية، رسمية او غير رسمية، بالتحقيق في ممارسات الموساد على مر السنين من خطف وإغتيال وابتزاز وما الى ذلك؟  

 

اليف صباغ

مدونة حيفا برس

البقيعة 16.2.2013


حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .

الأربعاء، 6 فبراير 2013

الغارة الاسرائيلية-الامريكية،أهداف وسياق


 

ما يزال صدى الغارة العسكرية  الاسرائيلية على سوريا فجر الثلاثين من كانون ثاني، دون حصول رد سوري متناسب، يتفاعل ويحتاج الى مزيد من التحليل والتمحيص لمعرفة أهداف هذا العدوان وسياقه الاقليمي وربما الدولي، من خلال علاقته بأحداث أخرى، عسكرية وسياسية، حصلت وتحصل في المنطقة وكان آخرها توجيه اتهام رسمي من حكومة بلغاريا الى حزب الله تتهمه فيه بالمسؤولية عن تفجير بُرغاز في الصيف الماضي. فما الاهم؟ الاتهام وقد وجهته اسرائيل الى حزب الله بعد دقائق من حصول التفجير، وكأنها كانت تعلم به مسبقا؟ ام توقيت الاتهام البلغاري بالأمس؟

كتبت آنذاك، ان اسرائيل ترتبط مع بلغاريا بعلاقات أمنية جديدة ويقوم سلاح الجو الاسرائيلي بتديبات عسكرية في بلغاريا في اعقاب تدهور العلاقات مع تركيا، ولكن امرا هاما بالنسبة لاسرائيل لم يتحقق لها في هذا السياق، وهو السماح للموساد الاسرائيلي بنشاط أمني استخباري في بلغاريا، خاصة في المدن السياحية التي يزورها العرب والعربان مثل مدينة برغاز الواقعة على البحر الاسود. ومن هنا أبديت شكوكي في الاتهام الاسرائيلي المباشر لحزب الله، وتساءلت، ما اذا كانت العملية المذكورة و/او اتهام حزب الله، تستهدف الضغط على بلغاريا لتحقيق ذلك الهدف؟ والنتيجة الفورية لتلك العملية تشير بقوة الى حقيقة ذلك. ولكن يبقى السؤال، هل تم اختياريوم امس بالذات، لاتهام حزب الله، رسميا من بلغاريا، صدفة؟  واذا كان الاتهام الاسرائيلي المباشر لحزب الله قد  حقق لاسرائيل امكانية النشاط المخابراتي في المدن السياحية البلغارية، فان توقيت الاتهام البلغاري بالامس جاء في سياق مرتبط بالحملة السياسية والعسكرية التي تقوم بها اسرائيل وامريكا هذه الايام ضد محور المقاومة عامة بما في ذلك حزب الله، والاهم ضد حلقته الوسطى سوريا.

للوصول الى استنتاجات منطقية لاهداف الغارة الاسرائيلية على مركز للبحث العلمي في ضواحي دمشق، وعلاقته بالاتهامات الموجهة الى حزب الله اليوم، لا بد ان نعتمد على حقائق ومعلومات وتجربة الماضي وليس على خيال جامح، ولا بد من مراجعة مجمل احداث هذا الاسبوع وعلاقاتها فيما بينها. لقد شنت الطائرات الاسرائيلية غارتها على مركز علمي في ضواحي دمشق وادعت انها قصفت قافلة كانت تحمل اسلحة متطورة، قيل مرة إنها كيماوية ومرة أخرى انها صواريخ روسية متطورة لا يجوز، وفق الالتزام الروسي وقرار 1701 ، ان تصل الى حزب الله، وفي كلتا الحالتين ارادت اسرائيل وضع حزب الله على طاولة البحث الامني والسياسي الدولية ، ووضع روسيا في الزاوية بعد التزامها الا تُنقَل اسلحتها من سوريا الى حزب الله، فهل استطاعت دق الإسفين الذي طالما عملت هي وحلفاؤها العرب والراعي الامريكي على تثبيته؟  إضافة الى ذلك، حلقت الطائرات الاسرائيلية بكثافة يومية فوق الاراضي اللبنانية بهدف الامعان في ترويض حزب الله على تقبل هذه الاستفزازات دون رد، وتوجيه رسالة لمن يهمه الامر ان اسرائيل "تفعل ولا تتكلم فقط"، وقد أكد ذلك اهود براك في مؤتمر ميونخ الامني في الوقت الذي كانت الطائرات الاسرائيلية تقوم بغاراتها في سماء لبنان وسوريا، ولا نغفل، في هذا السياق ايضا، مسلسل التفجيرات الذي طال مستودعات الاسلحة التابعة لحزب الله، وتهديدات اسرائيلية مباشرة لحزب الله في حالة اعتراض الطائرات الاسرائيلية.

لم يكن هذا الهجوم العسكري والسياسي، منفصلا عن تحول في النظرة الامريكية لمستقبل الازمة السورية ورغبتها في الخروج من ورطتها بأقل ما يمكن من التكاليف وأفضل ما يمكن من النتائج، وقد تعلمنا من تجارب الماضي ان الاستعمار لا ينسحب في حالة ضعفه دون ان يحرق ما استطاع ودون ان يستنفذ قواه الفاعلة على الارض، خاصة اذا كانت الدماء والارواح والتكاليف كلها عربية، ومن هنا جاءت الغارة الاسرائيلية على سوريا بتنسيق كامل مع امريكا، بهدف استباق كل تسوية سياسية مرتقبة.

لم تكن هذه الاحداث منفصلة أيضا عن  مسار آخر يحصل "سرا" في هذه الايام في بريطانيا، يتمثل بمحادثات "استكشافية" اسرائيلية فلسطينية للعودة الى طاولة المفاوضات، بدفع اوروبي وأمريكي عربي، تفاديا لانتفاضة ثالثة، وتضيف المعلومات دلينا ان التسوية المرتقبة قد تحصل ضمن صفقة اقليمية شاملة، تعيد ترتيب ميزان القوى في الشرق الاوسط وخلق معادلات جديدة كل يريدها مريحة له. واكثر ما يخيف امريكا وحلفاؤها العرب ان يُهزموا في سوريا وقد بدأت بشائر الهزيمة واضحة فترتد قطعان الوهابيين التكفيريين وعصابات القاعدة، وهم مدججون بالمال والسلاح، ليحاسبوا مرسليهم في دول الخليج وتركيا. ومن هنا لا بد من توقع هجمات اضافية من قبل العصابات الوهابية الفاعلة في سوريا او من قبل اسرائيل في محاولة لاستباق الهزيمة او منعها او التخلص من قوى الخطر القادم.

لقد عودتنا امريكا واسرائيل انه عندما تعتزمان الدخول في مسار سياسي لا بد ان تسبقه بمسار أمني عسكري بهدف اضعاف الخصم وسوقه ذليلا الى المفاوضات، او تمهيدا لحملة عسكرية كبرى يكون فيها الخصم قد انهك فيسهل التغلب عليه كما حصل في العراق، وفي هذا السياق تأتي الغارة الجوية على سوريا والتي بتقديرنا ستتبعها غارات أخرى مشابهة، وكذلك الحملة السياسية، الاعلامية والعسكرية، على حزب الله.  من هنا ايضا، جاءت حملة الاعتقالات التي شنتها قوات الاحتلال الاسرائيلي في الضفة الغربية لتشمل اعضاء في المجلس التشريعي الفلسطيني ايضا. ولهذا الهدف ايضا نشهد شن حملة اعلامية تحاصر الخصم وحلفائه ودفعا امريكيا لاوروبا بادراج حزب الله على قائمة الارهاب، مع ان النتيجة المعروفة أيضا، ان ضعف الطرف العربي وتفككه سياسيا او عسكريا يجعل اسرائيل تتمادى في عنجهيتها وتتحصن بمواقفها فلا تقدم للصفقة التي تريدها امريكا أي مساعدة لتعود المسارات مرة أخرى من حيث بدأت، والى أبد الآبدين، وهذا ما تريده اسرائيل، الم يؤكد ذلك بيبي نتانياهو بالامس حين قال ان لا احد يصنع سلاما مع الضعفاء والمفككين؟ فاسرائيل لا ترى بالاستقرار او بالسلام في الشرق الاوسط الا حالة مؤقتة بين حربين او حالتي اضطراب،  وهكذا تبني اسرائيل استراتيجتها وتكتيكها وهكذا ينبغي ان نفهمها.

لم يكن صدفة  تصريح عاموس يدلين، رئيس اللاستخبارات العسكرية السابق في اسرائيل، قبل يومين، من "ان أي نظام سيحكم سوريا في المستقبل، سواء برئاسة الأسد او غيره، بما في ذلك الاخوان المسلمين، سيكون افضل لاسرائيل مما كانت عليه، ذلك لأن سوريا ستكون ضعيفة، وأي نظام مستقبلي سيضطر الى معالجة قضاياه الداخلية لسنوات طويلة، (كما حصل في مصر أ.ص)، وهذا مكسب استراتيجي لاسرائيل"،  يريحها لسنوات طوال تستطيع خلالها بناء المزيد من المستوطنات وتغيير الوقائع على الارض وهي على قناعة، كما اثبتت التجربة، ان العرب سيقبلون بالامر الواقع في نهاية المطاف. لأن ضعف سوريا، في نظر اسرائيل، هو الشرط الاساس لاضعاف حزب الله، وضعف سوريا هو المقدمة الضرورية لاملاء الشروط الاسرائيلية الامريكية على ايران، هكذا على الاقل ما تتفق عليه اسرائيل وامريكا ويشكل قاعدة مشتركة للتحرك .

 

اليف صباغ

مدونة Haifa press

البقيعة 6.2.13



حقوق النشر محفوظة للكاتب ، الرجاء الإشارة إلى المصدر .